إضراب الجوع في تونس.. هل ينجح معارضو سعيد في تحقيق انتصار؟

تعيش تونس منذ 25 يوليو (تموز) 2021 على وقع انقلاب دستوري، جمَّد بموجبه رئيس الجمهورية قيس سعيد، اختصاصات مجلس نواب الشعب، وغلق أبوابه بالدبابات العسكرية وحرم رئيسه والنواب من امتيازاتهم المادية، كما أعلن نفسه الحاكم الأوحد والوحيد؛ إذ جمع مختلف السلطات بيده واتخذ من المراسيم الرئاسية سبيلًا لإنفاذ أحكامه.

أردف سعيد هذه القرارات بمراسيم رئاسية أخرى كرست هذا التوجه الانفرادي، بالإضافة إلى مواصلة خطابه الضاغط والمتكرر على السلطة القضائية، خطاب يرى فيه خصومه ومعارضيه محاولات تهدف إلى تركيع القضاء.

جُوبِهَ هذا الضغط بصد من المجلس الأعلى للقضاء وجمعية القضاة التونسيين وعديد من القضاة الذين تمسكوا بالمحافظة على استقلالية سلطتهم ورفضهم لتوظيفها؛ إذ أكد المجلس الأعلى للقضاء في بيانه الصادر بتاريخ 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي تمسكه بوضع القضاء سلطةً من سلطات الدولة وضمانات استقلال القضاة، وشدد على ضرورة النأي بهم عن كل ضغط مهما كان مصدره.

إلا أن معارضو قيس سعيد يرون أن ضغطه على السلطة القضائية وحسب بيان صادر عن أحزاب التكتل من أجل الحريات والجمهوري والتيار الديمقراطي أثمر حكمًا بأربع سنوات سجنًا على الرئيس محمد منصف المرزوقي بتهمة التآمر على أمن الدولة الخارجي بعد تحريك الملف من قبل وزيرة العدل بطلب من رئيس الجمهورية، وقد اتهمت الأحزاب الثلاثة رئيس الجمهورية بالضغط  على القضاء في محاولة لتسخيره للتنكيل بالخصوم السياسيين. 

أثار هذا التوجه الانفرادي المتبع من قبل الرئيس قيس سعيد حفيظة عدة أطراف داخلية وأخرى خارجية؛ بما جعله يعتمد سياسة التبرير تارة بالتأكيد للأطراف الخارجية، خاصة أن إجراءاته الاستثنائية قد تمت في إطار الدستور واحترام الحقوق والحريات، وخطابات الإلهاء تارة أخرى على غرار ما أثاره من نقاش حول إعتماد تاريخ 17 ديسمبر عيدًا للثورة عوضًا عن تاريخ 14 يناير (كانون الثاني). 

 تواصل الضغط الداخلي والخارجي على سعيد ساهم في تراجع الأقرب أنه تكتيكي، تراجع يظهر من خلال إعلانه على خارطة طريق يوم 13 ديسمبر الماضي، والتي كانت مطلبًا لمعارضي الانقلاب وبعض الأطراف الخارجية أعلن فيها عن روزنامة المحطات المقبلة، أهم ما جاء فيها إقرار انتخابات تشريعية في 17 ديسمبر 2022  بالإضافة إلى عزمه إجراء استفتاء يغير بموجبه النظام السياسي والنظام الانتخابي القائم، وذلك خلال السنة الحالية.

لقي هذا الإعلان ترحيبًا من البعض على غرار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، اللذين أكدا ضرورة إلحاق هذه الخطوة بخطوات أخرى أهمها انفتاح الرئيس على مختلف الأطراف الفاعلة من أحزاب ومنظمات تحت غطاء حوار وطني شامل يخلص إلى إصلاحات سياسية وانتخابية  متفق حولها.

وقد قابل الترحيب المشروط من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، رفض وتحفظ واحتجاج من قبل معارضي الانقلاب، و ترجم هذا الرفض في مرحلة أولى بتحرك احتجاجي بمناسبة ذكرى اندلاع الثورة التونسية 17 ديسمبر، ثم اعتصام رمزي في شارع الثورة لتتخذ المعارضة شكلًا أكثر تصعيدًا، إذ أعلن عدد من الشخصيات الوطنية دخولهم يوم الخميس 23 ديسمبر في إضراب جوع رفضًا للحكم الفردي.

من بين الشخصيات التي تخوض معركة إضراب الجوع المناضل الثمانيني عز الدين الحزقي، أحد مؤسسي حركة «آفاق» اليسارية في ستينيات القرن الماضي والقيادي بحركة «النهضة» عجمي الوريمي والأستاذان الجامعيان زهير إسماعيل، وأحمد الغيلوفي، والنواب يسري الدالي، وأمين الميساوي عن ائتلاف «الكرامة» ورفيق عمارة عن «قلب تونس»، وفائزة بوهلال عن حركة النهضة، وقد التحق بهم الرئيس الأسبق محمد منصف المرزوقي ورئيس كتلة قلب تونس في البرلمان، أسامة الخليفي.

أسباب إضراب الجوع

يعد الأمين البوعزيزي الناشط السياسي وعضو الهيئة التنفيذية لحملة «مواطنون ضد الإنقلاب» في تصريح لـ«ساسة بوست» بأن «إضراب الجوع هو رد فعل على الهجوم الأمني ضد الاعتصام الرمزي الذي أُجري عقب تظاهرة 17 ديسمبر»، كما جاء في بيان إعلان إضراب الجوع الصادر عن حملة «مواطنون ضد الإنقلاب» أن خطر الحكم الفردي وتوظيف القوة الصلبة – في إشارة إلى المؤسسة الأمنية- لمواجهة معارضيه من الأسباب الأساسية لدخولهم في إضراب عن الطعام.

وتتمثل مطالبهم حسب نص البيان نفسه في نقاط ستة، وهي بحسب تعبيرهم: «إطلاق السراح الفوري لكلِّ النواب والمساجين السياسيين، وإيقاف كلِّ المحاكمات العسكرية، والتوقف عن الإساءة إلى الجيش الوطني ومحاولات توريطه في المسار الانقلابي، وإطلاق سراح بقية من جرى اعتقالهم يوم 18 ديسمبر 2021 على خلفية التحركات السلمية الأخيرة، وإيقاف كلِّ التتبُّعات المتعلقة بحقِّهم.

بالإضافة إلى الكف عن تهديد القضاء ومحاولة توظيفه في مسار تصفية الخصوم السياسيين على غرار المحاكمة الوهمية، والحكم الجائر الصادر في حق المناضل ورئيس الجمهورية الأسبق محمد المنصف المرزوقي، والعدول عن كلِّ ممارسات التضييق والمنع والاعتداء بالعنف على تحركات الأحزاب المواطنين وضمان حقِّ الجميع في التظاهر والتعبير بكل الأشكال التي يختارونها ويقرُّها دستور 2014».

كذلك طالب المضربون عن الطعام قيس سعيد حسب نص بيانهم بالكفِّ عن توظيف المؤسسة الأمنية والتوقُّف عن إقحامها في الصراع السياسي، ولا سيما عبر اختراقها بالتعيينات القائمة على أساس الولاءات السياسية، والتوقف عن محاصرة حرية الإعلام، وتعطيل حقِّ النفاذ إلى المعلومة وتضليل الرأي العام، وتعطيل الهيئات الوطنية الحقوقية عن أداء مهامها، بحسبهم.

وقد عرف الحراك الاحتجاجي إسنادًا سياسيًّا من عدة شخصيات وأحزاب سياسية رافضة للانقلاب، ومن الشخصيات التي زارت ودعمت هذا الحراك نجيب الشابي الشخصية السياسية البارزة، وعميدا المحامين الأسبقان البشير الصيد، وعبد الرزاق الكيلاني، ووزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي، ووزير الثقافة الأسبق مهدي المبروك، كما زاره أيضًا رئيس البرلمان راشد الغنوشي.

ويعد الأمين البوعزيزي في تصريحه لـ«ساسة بوست» «أن الزخم السياسي الذي أحدثه اضراب الجوع مكسبًا مهمًّا ساهم في تجميع جملة من الأطراف التي كانت في قطيعة، وساهم في فتح مصارحات ونقد ذاتي و متبادل بينها».

تشكيك ورفض وتجاهل

رغم هذا الزخم فإن معركة الأمعاء الخاوية التي يخوضها مواطنون ضد الانقلاب لم تحظ بالتغطية الإعلامية المطلوبة من قبل وسائل الإعلام التونسية، ويتجاهلها جزء من النخبة السياسية، كما أنها جوبهت بحملات استهجان من قبل أنصار سعيد وعدد من المواطنين التونسيين. بالإضافة إلى تجاهل جل وسائل الإعلام؛ وهو ما يعود جزئيًّا إلى تقاطع أهداف بعضهم مع مشروع سعيد، بالإضافة إلى أنه يمكن تفهم تجاهل بعض النخب السياسية لهذا الإضراب؛ إذ يرون فيه محاولة لإعادة منظومة ما قبل 25 يوليو، وفرصة لبعض الوجوه لتصدر المشهد من جديد. 

أيضًا يعد رفض أنصار سعيد لهذا الحراك أمرًا طبيعيًّا لكن ما يجلب الانتباه أيضًا هو موقف بعض التونسيين غير المسيسين منه؛ إذ يعد قطاع منهم أن جملة من الداعين والمساهمين في هذا الإضراب هم السبب الرئيسي في ما آلت إليه البلاد من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، كما يرون أن المطالبة بالحريات والديمقراطية ترف في وقت تعرف فيه البلاد تقهقرًا نحو الإفلاس والاختناق الاجتماعي.

وهذا الأمر الذي انتقده الأمين البوعزيزي إذ قال: «إن الإصرار على المسألة الديمقراطية يعود إلى الاعتقاد بأن الثورة التونسية هي عصارة وخلاصة الثورات السابقة التي أعلت من شأن المسألة السيادية والاقتصادية والاجتماعية، وتنكرت للحرية والديمقراطية، وانتهى بها الحال إلى الفشل في الحفاظ على المكاسب  السيادية والمكاسب الاجتماعية».

ويضيف بأنه «لا يمكن المحافظة على المسألة السيادية والوطنية دون حامل اجتماعي عريض يدافع عنها من الضروري أن  يكون متمتعًا بحرية التنظيم والتعبير لتكون التعددية السياسية والحريات والفصل بين السلطات أدوات سياسية لحماية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية  ومقاومة الفساد».

دلالات إضراب الجوع 

من الدلالات المهمة لهذا الحراك الاحتجاجي هو حجم الهوة المتزايد يومًا بعد يوم بين الرئيس قيس سعيد ومعارضيه؛ إذ أغلق كل أبواب الحوار مع الأطراف الاجتماعية والسياسية وإن أقر حوارًا سيجرى عبر الوسائط الرقمية في شهر يناير القادم، فإنه أكد بأن هذا الحوار سيكون مع عموم الشعب وخاصة الشباب، دون أن يذكر للفاعلين السياسيين والاجتماعيين دورًا في ذلك.

تعد العودة إلى المربع الحقوقي من الدلالات الأخرى لهذا الإضراب؛ إذ أعادت التونسيين بالذاكرة إلى حقبة الاستبداد قبل الثورة على بن علي، حينما كانت إضرابات الجوع  أكثر الأساليب المعتمدة في مواجهة نظام بن علي، وقد أظهرت صلابة المناضل اليساري عز الدين الحزقي، رغم تقدم سنه ووضعه الصحي، وهو يتحدى إجراءات قيس سعيد بجسده النحيف، بالنسبة لبعض المعارضين أنها ما زال من الممكن القيام بمناورات أمام خطوات الرئيس التونسي، وأن طريق الثورة لم ينته.  

إمكانية الالتقاء بين خصوم الأمس على أرضية الدفاع عن مكتسبات الثورة والتعالي عن الاختلافات الأيديولوجية والسياسية هو من الدلالات الأخرى لهذا الإضراب؛ إذ جمع هذا التحرك مختلف الأطراف والتوجهات سواء عبر الأشخاص المشاركين فيه، أو فيمن عبر عن مساندته بالزيارة وبيانات المساندة.

أفق الإضراب 

تضمن بيان الإعلان عن الإضراب جملة من المطالب التي يهدف المضربون عن الطعام لتحقيقها، وعن أفق إضراب الجوع يقول النائب بالبرلمان التونسي الصحبي صمارة لـ«ساسة بوست»: «إن إضراب الجوع الذي يخوضه عدد من السياسيين اليوم في تونس هو تحرك نضالي حقوقي مشروع؛ نظرًا إلى ما تعرفه تونس من انتكاسة على الديمقراطية والحريات لكن ونظرًا إلى أن الطرف المقابل والمقصود هنا رئيس الجمهورية لا يسمع ولا يتحاور ولا يتأثر، فيجب أن يخرج عن هذا الإضراب جبهة وطنية واسعة تعمل على إعادة البلاد إلى مربع الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.

الواضح أيضًا أن الهدف الأساسي من هذا الإضراب نظرًا إلى أن القائمين على إضراب الجوع لا ينتظرون تجاوبًا إيجابيًّا من الرئيس، هو الضغط وإحراجه، بالإضافة الى إشعار الرأي العام الداخلي والخارجي بالوضع الحقوقي في تونس وتنبيه رئيس الجمهورية قيس سعيد من خطورة توظيف القوات المسلحة الأمنية والعسكرية في المعارك السياسية وانعكاسات ذلك سلبيًّا على طبيعة الصراع مع خصومه السياسيين.

يعد إضراب الجوع الذي يخوضه جملة من الشخصيات السياسية في تونس، رغم صعوبة التوقيت وخطره على صحة المضربين، ورغم ما يثيره من نقاط استفهام حول أفقه وإمكاناته، محطة مهمة في نظر معارضي سعيد للحيلولة دون السقوط النهائي لتونس بين براثن الاستبداد، لكن يبقى نجاح هذا التحرك مرتبطًا بتحقيق الحد الأقصى من مطالبه المعلنة وقدرته على التقاطع مع الشارع الاجتماعي الذي يشعر بالضجر بسبب الأحوال الاقتصادية التي تسوء كل يوم.

يمكن لهذا التحرك أيضًا أن يكون خطوة في التوصل لحل بخصوص حالة التشرذم والفرقة بين معارضي قيس سعيد، خاصة في ظل ما تمثله حلقات النقاش اليومية في مكان الإضراب بين زواره من المساندين والمضربين وأعضاء حملة «مواطنون ضد الانقلاب» من فرصة لتجاوز الإشكاليات العالقة بينهم من خلال المصارحة المتبادلة وإقرار المراجعات الضرورية.

عربي

منذ يومين
عامٌ مليء بالتوترات السياسية وقطع العلاقات! أبرز الأحداث المغاربية في 2021

عن admin

شاهد أيضاً

كومودوس.-إمبراطور-روما-المجنون-الذي-أنهى-عصرها-الذهبي

كومودوس.. إمبراطور روما المجنون الذي أنهى عصرها الذهبي

«عززت الإمبراطورية مكانة أولئك الذين حكموا قبلي، والتي حصلوا عليها بوصفها شرفًا إضافيًّا، لكنني وحدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *