القطط في مصر القديمة: ما بين العبادة والتقديس وقتلها بوحشية لأغراض السحر!

ارتبط البشر بالقطط منذ القدم، استأنسوا القطط الصغيرة منها وأصبحت الهرة المنزلية التى يحبها الجميع ويلعب معها، واحترموا وعظموا القطط الكبيرة وأصبحت رمزًا وتعبيرًا عن القوة والعظمة، وصمموا من شكلها شعارات وتماثيل ونقوشًا، وتجلى حب القطط في مصر القديمة بشكل كبير، فقد كان للقطط مكانة كبيرة جدًّا بين أفراد المجتمع، وأحب قدماء المصريين القطط الصغيرة والكبيرة على حد سواء، ووصل عشق القطط لديهم حد العبادة، فكُرمت القطط بوصفها آلهة قوية عظيمة يعبدها المصريون ويقدسونها ويروون أساطير عظيمة عنها، وتخليدًا للأساطير نقشوها في رسومات رائعة على جدران المعابد والمقابر تقديرًا لمكانتها الكبيرة.

يعتقد البعض أن المصريين القدماء هم أول من استأنس القطط المنزلية الصغيرة واتخذها صديقًا وحيوانًا أليفًا لا يمكن الاستغناء عنه، فما السر وراء الهوس بالقطط في مصر القديمة؟ هذا ما سنعرفه في السطور القادمة.

القطط من أفراد الأسرة: مدافن خاصة بها في مصر القديمة

اختلف علماء الآثار والأنثروبولوجيا حول تحديد مكان وتاريخ استئناس القطط الكبيرة وتحويلها تدريجيًّا إلى قطط صغيرة أليفة، ويُعتقد أن القطط البرية بدأت تصبح المستأنسة في منطقة الهلال الخصيب (الشام ومصر والعراق وإيران) عام 8000 قبل الميلاد، حين كانت تساعد هذه القطط البرية الفلاحين على حماية محاصيلهم ومنع الحيوانات من أكل المحاصيل والحبوب، ولذلك قدَّر الإنسان المحلي وجودها وجعلها تقترب أكثر من حياة الإنسان حتى أصبحت القطط الصغيرة المستأنسة التي نعرفها اليوم.

قطة برية

قدس المصريون القدماء الحيوانات بشكل كبير، وقد عثر على أول مقبرة للحيوانات الأليفة في العالم في مصر، وهي مقبرة عمرها ما يقرب من ألفي عام، تضم قططًا ترتدي أطواقًا من الحديد والخرز بجانب حيوانات أخرى، ومع ذلك لم يكن هناك حيوان يحترم مثل القطة، فقد عثر علماء الآثار على مدافن للقطط في مصر القديمة يعود تاريخها إلى 3800 عام قبل الميلاد، فلم يكن يعتقد المصريون أن القطط جميلة فحسب، بل رأوها أيضًا كائنات سحرية جلبت الحظ السعيد للأسرة.

هوس المصري القديم بالقطط ظهر في كل شيء، وترك أثره في القطع الأثرية كافة، من التماثيل الكبيرة إلى المجوهرات الثمينة والصغيرة، كما حنط المصريون القدماء عددًا لا يحصى من القطط، وتركوا رسومات رائعة للقطط تزين جدران المقابر والمعابد والمتاحف حاليًا حول العالم، وجعلها آلهة توقر وتحترم، وأطلقوا على أطفالهم اسم «ميت (mitt)» والذي يعني القط، كما ألبسوا قططهم المجوهرات.

وقد اعتقد المصريون القدماء أن آلهتهم وحكامهم يحملون صفات تشبه القطط، ولذلك كان يُنظر إلى القطط على أنها تملك سمات ازدواجية، فمن ناحية يمكن أن تكون حامية ومخلصة، ومن ناحية أخرى يمكن أن تكون مشاكسة ومستقلة وشرسة، مما قد يفسر سبب الهوس والاهتمام بالقطط في مصر القديمة.

جدير بالذكر أن القطط في مصر القديمة كانت ذات مكانة كبيرة في الأُسر، وعندما يموت قط أليف كانت الأسرة تحنطه، حتى يتمكن من الانضمام إلى رفقائه من البشر في الحياة الآخرة، وكتب المؤرخ اليوناني هيرودوت أن المصريين القدماء كانوا يحلقون حواجبهم علامة على الاحترام عند فقدان القطط الخاصة بهم أو موتها.

باستت وسخمت: القطة الوديعة والأخرى المفترسة التي عظمها المصريون القدماء

أصبحت القطط في مصر القديمة تمثل الآلهة والملوك العظام وترمز إلى الخير والشر والحماية والحرب والخصوبة وغيرها من الرموز، ومن أشهر الآلهة القطط عند المصري القديم الإلهة باستت والإلهة سخمت.

احتلت الإلهة باستت مكانة كبيرة بين المصريين القدماء، وهي القط المنزلي الصغير، وعدها المصريون ابنة رع وإيزيس، وجرى تصويرها لأول مرة على أنها لبؤة شرسة، قبل أن تُصنف لاحقًا على أنها قطة منزلية، وأم مضحية لديها عدة قطط صغيرة ترعاها، فقد كانت تمثل حماية الأسرة والمنزل والخصوبة والتكاثر، وكانت أيضًا إلهًا حاميًا يمنع الأرواح الشريرة والأمراض من دخول المنزل.

الإلهة سخمت

ومثل الإلهة باستت، كان هناك أيضًا الإلهة القطة سخمت، التي كانت على هيئة لبؤة شرسة أو امرأة برأس لبؤة توضع عليها قرص الشمس والثعبان، وكانت قوية ومحاربة وحامية، أبقت أعداء إله الشمس رع بعيدًا عنه وحمته، وارتبطت سخمت بالمرض وبالشفاء والطب. 

خلط المصريون القدماء في العديد من الأوقات بين الإلهة سخمت والإلهة باستت نظرًا إلى تقارب أدوارهما، ومن قصص الأساطير الشهيرة التي توضح هذا الخلط، وكيف يمكن أن تتحول إحداهما للأخرى، تلك القصة التي تروى أسطورة غضب إله الشمس المصري القديم رع من البشرية، ورغبته في الانتقام، وسعيًا منه إلى معاقبتهم على جرائمهم، أرسل رع ابنته ذات رأس الأسد الإلهة سخمت لتعاقب البشر.

وقد كانت سخمت عنيفة للغاية في سعيها للانتقام، وسرعان ما أدرك رع  أنه ارتكب خطأ كبيرًا في إطلاق عنان سخمت، وفي محاولة لتهدئة طفلته الغاضبة الشرسه، ملأها الإله رع بالجعة الحمراء، وهي بديل للدم الذي كانت تتوق إليه، بعدها شعرت بالرضا أخيرًا، انحنت سخمت ونامت، وأصبحت اللبؤة الغاضبة قطة مسالمة طيبة مثل الإلهة باستت.

قتل وحشي وقرابين للآلهة: الوجه الآخر للهوس بالقطط في مصر القديمة

آمن المصريون القدماء بالبعث والخلود، وعليه اعتقد المصريون أن للحيوانات مكانة فريدة في الحياة الآخرة، فيمكن الاحتفاظ بهم برفقة الموتى، وتقديمهم قرابين للآلهة، ولذلك انتشرت ممارسة التضحية بالحيوانات عمومًا وبالقطط خصوصًا لدفنها بعد تحنيطها بجانب مومياء أقاربهم، إيمانًا منهم بفكرة أن الروح  قد تأخذ شكل جسد القط فيما بعد، وتعيش مرة أخرى.

ويمثل التحنيط عند البشر ثقافة الحياة وليس الموت، فقد كانوا مهووسين بالحياة من خلال الموت، وكان الكهنة يضحون بالقطط من أجل البشر، لمنح البشر مكانة جيدة في نظر أي إله كان؛ إذ كان كل ما فعله المصريون القدماء في رحلة التحنيط هو في الحقيقة تقديس الحياة بعد الموت، وطريقة منهم لتخليد الذات إلى الأبد.

جعلت فكرة تحنيط القطط ووضعها مع الموتى، القطط ذاتها سلعة تجارية مطلوبة في مصر الفرعونية؛ مما جعل هذا الهوس بالقطط يأخذ طابعًا آخر أكثر قسوة عكس طابع الحب والمودة، فقد وجدت دلائل على الاستخدام الوحشي للقطط، لا سيما الصغيرة منها ولأغراض السحر والشعوذة والقتل أيضًا لتقدم قربانًا للآلهة، والجدير بالذكر أن قتل القطط كان ممنوعًا في مصر القديمة، باستثناء واحد، ألا وهو التحنيط.

وتؤكد الأبحاث رواج صناعة الحيوانات وتجارتها بشكل عام في مصر، فقد كانت مزارع الجراء والقطط وغيرها من برامج تربية الحيوانات صناعة ضخمة، لا لإنتاج الحيوانات الأليفة، ولكن لتوفير مخزون من الحيوانات ليجري قتلها وتحنيطها.

وقد أكدت العديد من الأبحاث وجود صناعة كاملة مكرسة في مصر القديمة لتربية مئات الآلاف من القطط الصغيرة كي تُقتل وتُحنط وتدفن بجوار الموتى، وازدهرت تلك الصناعة بشكل كبير في الفترة بين عامي 700 قبل الميلاد و300 ميلاديًّا.

تاريخ

منذ شهرين
استخدمه المصريون القدماء.. قصة «السحر الأبيض» الذي لم تسمع عنه على الأرجح

وقد أجرى العلماء مسحًا بالأشعة السينية على حيوانات محنطة كان أحدها قطة، وقد مكنهم ذلك من إلقاء نظرة مفصلة على هيكلها العظمي والمواد المستخدمة في عملية التحنيط، وأكدت النتائج أن هذه القطة كان عمرها أقل من خمسة شهور عندما ماتت، وأنه جرى كسر رقبتها عمدًا؛ ما يؤكد أن ممارسة التضحية بالقطط كانت وحشية ومنظمة؛ إذ جرت تربيتهم في كثير من الأحيان من أجل هذا الغرض، فالمصري القديم الذي أحب القطط حد الهوس، لم يتورع عن استغلالها وتعريض مئات الآلاف منها للموت العمد من أجل أعمال التحنيط والدفن. 

عن admin

شاهد أيضاً

كومودوس.-إمبراطور-روما-المجنون-الذي-أنهى-عصرها-الذهبي

كومودوس.. إمبراطور روما المجنون الذي أنهى عصرها الذهبي

«عززت الإمبراطورية مكانة أولئك الذين حكموا قبلي، والتي حصلوا عليها بوصفها شرفًا إضافيًّا، لكنني وحدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *