القوة الناعمة للإسلام.. رحلة مع تاريخ التصوف في شبه القارة الهندية

حين تسمع كلمة « تصوف» ربما سرعان ما يخطر ببالك رموز معينة، مثل جلال الدين الرومي وأشعاره التي ملأت الدنيا قديمًا، وتملأ اليوم صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بخلفيات ملونة، وخطوط منمقة، أيًا ما كانت اللغة التي تقرؤها بها، بعد أن نُقلت من الفارسية إلى العديد من اللغات الحية بما فيها العربية.

والتصوف الإسلامي له حكايات عديدة ومميزة في بلدان مختلفة، وليس حصرًا في بلاد العرب والفرس. اليوم اخترنا لكم رحلة مع التصوف في شبه القارة الهندية لنتعرف على ملامح التصوف الإسلامي هناك منذ أن دخلها الإسلام إبان الفتح العربي، وشبه القارة الهندية هو مصطلح جغرافي يضم بلدان الهند، وباكستان، وبنجلاديش، ونيبال، وبوتان، بالإضافة إلى الجزر التابعة لها وهي سريلانكا، وجزر المالديف.

التصوف.. بين التقشف والحكمة

أحيانًا ما تبدو لنا كثير من المفاهيم لا تحتاج إلى شرح بسبب كثرة تردادها، والتصوف لا يستثنى من هذه المفاهيم، وهو حسب ابن تيمية في رسالة «الصوفية والفقراء» لفظًا لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة الأولى للهجرة، وإنما اشتهر التكلم عنه بعد ذلك.

وتعددت تفاسير الأصل اللغوي لكلمة تصوف، فمن المفسرين من ذهب إلى أنها من ارتداء الصوف الخشن إمعانًا في الزهد، بينما ذهب المستشرق الفرنسي لويس ماسنيون إلى أن الكلمة كانت مقصورة على الكوفة في أول الأمر، ولم تكن تستعمل على نطاق واسع لوصف أي مسلم سلك طريق التصوف مستدلًا على ذلك بظهور فرقة من الصوفية في اواخر القرن الثالث الهجري بمدينة نيسابور – شمال شرق إيران حاليًا – وتسميتها باسم « الملامتية» تمييزًا لها عن صوفية أهل العراق والشام، وأخيرًا فقد انفرد أبو الريحان البيروني بقوله إن هناك صلة بين اسم الصوفي والكلمة اليونانية «سوفيا» أي الحكمة.

مما تقدم يتبين أن المؤلفين والشراح قد اختلفوا قديمًا وحديثًا في تعريف أصل الصوفية تعريفًا جامعًا مانعًا، إلا أنهم جميعًا اتفقوا على كونها تجربة روحية تسري في جميع البشر على اختلاف لغاتهم وديانتهم.

الهندوسية تسيطر على شبه القارة الهندية

امتلكت الهند حضارة قديمة شأنها شأن بلاد فارس قبل ظهور الإسلام، حيث ظهرت بها في مستهل القرن الرابع الميلادي أسرة ملكية حاكمة عُرفت باسم أسرة كبتا الثانية، وكان لملوكها بطولات خلدت أسماءهم مثل شندرا كبتا الأول، وخليفته سامودر كبتا.

أسس الملك شندراكبتا الأول مملكة حاكمة للكبتيين، وكان أول من اتخذ منهم لقب «ملك الملوك» واستطاع أن يمد نفوذ دولته حتى نهر الكنج؛ وهو أحد أكبر أنهار شبه القارة الهندية بطول يبلغ حوالي 2510 متر، ومصبه في دولة بنجلاديش الحالية.

اعتمدت أسرة كبتا في توطيد دعائم حكمها على الربط بينها وبين الهندوسية وكهنتها، والهندوسية – والتي تعرف أيضًا بالبرهمية، والهندوكية – هي ديانة قديمة تعود إلى حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد ولا يعرف لها مؤسس بشكل خاص، إلا أنها انتشرت في شبه القارة الهندية انتشارًا كبيرًا.

الديانة الهندوسية واحدة من أقدم الديانات التي ظهرت في تاريخ البشر، وهي ليست مجرد ديانة بل كانت تعد نمط حياة يعيشه من يؤمن بها، وحتى الآن يعتنقها عدد كبير من سكان الهند وخارجها أيضًا، وعلى الرغم من أن الهندوسية تعتبر من الديانات التي تحتوي على أكثر من إله، إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون أن معتنقي الهندوسية يؤمنون بإله واحد، فوق كل تلك الآلهة وهو البراهما، بينما باقي المعبودات هي مجرد تجليات له ولقدراته بحسب اعتقادهم، ويؤمنون أن هذا الإله الواحد – البراهما – يسكن كل جزء من العالم الواقعي في كل أنحاء الكون، ولكنه يظل مجهولًا مخفيًا عن الأعين، وربما لهذا السبب لم يجد الإسلام الصعوبة في شق خطواته بين الهندوس الذين عرفوا فكرة الإله الواحد قبل ذلك.

الخطر القادم من الغرب.. هل مهد الطريق للصوفية؟

كان العالم القديم في ذلك الوقت يغلي بأوضاع مضطربة واجتياحات عسكرية تقوم بها قبائل الهون الأوروبية، والتي استطاعت اخضاع أوروبا بالكامل تقريبًا لسلطتها لتكوّن دولة أسسها أتيلا الهوني امتدت في أحد توسعاتها من فرنسا وحتى أوكرانيا حاليًا، لكنهم سرعان ما استكملوا غزو باقي البلدان الأوروبية وقرروا الاتجاه شرقًا حيث كنوز الهند الذهبية.

أغارت قبائل الهون على الهند في القرن الخامس الميلادي منحدرين إليها من بلاد ما وراء النهر وقد قاومهم بقوة وبسالة أحد ملوك أسرة كبتا، وهو الملك ساكندرا كبتا إلا أنهم تمكنوا في النهاية من الإطاحة بإمبراطوريته بعد وفاته.

وحسب مصادر التاريخ القديم فإن نفوذ الهون قد امتد إلى كل ناحية تقريبًا في أواخر القرن الخامس ومستهل القرن السادس الميلادي، إلا أنهم لم يستطيعوا التوغل إلى قلب شبه القارة، حيث تصدى لهم الأمراء الصغار الموزعون في المدن، وكذلك الإقطاعيون أصحاب الأراضي التي يرغبون في الحفاظ عليها، فبقي نفوذ الهون محدودًا في رقعة تقع بشمال غرب الهند.

لوحة تجسد إمبراطور المغول المسلمين اسمه نور الدين جهانكير مع أحد الصوفيين

إلا أن غارات قبائل الهون المتواصلة أدت في النهاية إلى تفكك إمبراطورية أسرة كبتا وانقسامها إلى إمارات محلية صغيرة مثل إمارة تنسر التي كانت تتحكم في مدخل وادى نهر الكنج، ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد انطلقت من إحدى هذه الإمارات المحلية ما عرف باسم الصحوة الجديدة لاستعادة أمجاد أسرة كبتا، وهي صحوة قادها الملك هارشا من إمارة تسمى قنوج في الشمال الغربي – ما زالت المقاطعة تحمل نفس الاسم القديم حاليًا – حيث خاض الملك هارشا معارك متصلة امتدت من العام 6188 حتى627م من أجل استعادة شيء من أملاك أسرته الغابرة فأخضع الملوك المحليين وانتشر نفوذه في شمال الهند كلها.

تزامنًا مع انطلاق جيوش الفتح الإسلامي إلى كل من بلاد الشام وأرض العراق، كانت قبائل الهون تتدفق من جديد على الهند ولم يستطع خلفاء الملك هارشا الأول التصدى لهم بعد وفاته سنة 647 م، وسرعان ما نشبت الحروب الأهلية بين الإمارات المحلية.

مع اشتعال الحروب الأهلية سالفة الذكر شهدت الهند صراعًا طاحنا بين الهندوسية والبوذية وهما أكبر الديانات في المنطقة آنذاك، وقد انتصرت الهندوسية في هذا الصراع بتحالف كهنتها مع الأمراء الذين سموا بالراجبوتيين، وقد كانوا أبناء قبائل تقطن في غرب، ووسط، وشمال الهند، وسيطرت الهندوسية على التعليم، وأقرت نظامها الطبقي الصارم كما أوله رجال الديانة، وهو النظام الذي لا يسمح بخروج أي شخص من طبقته التي ولد فيها حتى وفاته، كما أنها منعت الزواج أو مشاركة الطعام بين مختلف الطبقات.

أرض خصبة للفتح الإسلامي

كل هذه العوامل مجتمعة قد هيأت الظرف التاريخي المناسب لنجاح الفتوحات الإسلامية لشبه القارة الهندية، بحسب ما يذكر في كتاب «الوجود العربي في الهند في العصور الوسطي»، وعلى الرغم من أن المسلمين يشكلون ما يقرب من 20% من سكان الهند الآن، والتي قد يراها البعض نسبة قليلة، إلا أنها تعتبر نسبة مؤثرة إذا أخذنا في الاعتبار أن الإسلام دخل إلى شبه القارة الهندية حين كانت الهندوسية متأصلة في الكيان الثقافي والاجتماعي للشعب، فلم تكن الهندوسية مجرد ديانة، بل كانت أسلوب حياة اجتماعية بالنسبة لهم، الأهم من ذلك أن شبه القارة الهندية لا تضم الهند فقط، وإنما الهند، وباكستان، وبنجلاديش، وبوتان، ونيبال.

وقد مرت الفتوحات الإسلامية في شبه القارة الهندية بمرحلتين رئيستين، وليست مرحلة واحدة، أولهما كانت عام 707م بدخول الإسلام إلى المنطقة بعد فتح مدينة الديبل في عهد الوليد بن عبد الملك لتصبح أولى المدائن التي فتحها العرب.

أما المرحلة الثانية للفتح الإسلامي فقد كانت على يد الأمراء الغزنويين حوالي العام 1000 ميلاديًا، إن المسافة الزمنية الكبيرة بين هذين الحدثين الكبيرين هي ما احتاجته المنطقة لاستيعاب الإسلام وهضمه؛ حتى ظهرت بها مدارس التصوف وشيوخه الكبار الذين سنتعرف على بعض أعلامهم بعد قليل.

«مغيث الفقراء» ومحاربة الطبقية.. بداية الصوفية في شبه القارة

علينا أن نبقى في أذهاننا الخلفية الروحية العريقة للمنطقة حتى نفهم بزوغ التصوف الإسلامي بها، فالإسلام بشكل عام والتصوف بشكل خاص لم يصل أرضًا جدباء خلت من الروح والفلسفات، بل وصل إلى موطن قديم للروحانيات والفلسفات كذلك.

فمن الهند انطلقت الديانة البوذية التي كانت في أول أمرها بحثًا محمومًا لمؤسسها عن خلاص الروح من دورة إعادة الميلاد اللانهائية – حسب تصورهم – لكنها سرعان ما أصبحت ديانة لها كهنوت وطقوس بعد وفاته، ولم يعد بوذا مجرد فيلسوف أخلاقي قديم، ومن قبل البوذية وجدت الهندوسية بطبقة كهانها وشبكة واسعة من المعابد المنتشرة، وقد تحالفت معها الطبقة الحاكمة لتثبيت نظامها الطبقي الصارم، وعليه فالأرض التي دخلها الإسلام ومتصوفته لم تكن صحراء جرداء إنما كانت كمحيط كبير من التيارات المتصارعة بقوة وعنف أحيانًا.

معين الدين حسن بن غياث الدين السجزي، ويُعرف أيضًا بلقب «غريب نواز» أي مغيث الفقراء أو معطي الفقراء، ولد في سيستان الحالية، وهي منطقة تقع في شرق إيران، بينما يقع جزءًا منها جنوب أفغانستان. وكانت تسمى في العصور الإسلامية الأولى سجستان.

ضريح مغيث الفقراء

وصل معين الدين إلى دلهي في عام 1193م واستوطن مدينة أجمير الواقعة في وسط ولاية راجستان في الشمال الغربي للهند، والتي تعد أكبر ولايات الهند من حيث المساحة، وقد أصبح محل إقامته مركزًا لنشر الإسلام في مناطق الهند الوسطى والجنوبية، خاصة بعد فتح ملوك دلهي المسلمين للمدينة.

وقد أوضحت المستشرقة الألمانية آنا ماري شيميل في كتابها: «الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف» أن انتشار الإسلام في تلك المناطق على يد مشايخ الطريقة الجشتية قد تم بفضل مواعظهم البسيطة وجهودهم الدءوبة، ونشرهم لأفكار من قبيل محبة الله، ومحبة الخير للآخرين، والمساواة بين جميع الناس، وهي كلها دعاوى خلقية مؤثرة، لاسيما الدعوة الأخيرة التي كانت بمثابة طوق النجاة للطبقات المسحوقة في المجتمع الهندوسي ذي التراتبية الطبقية الصارمة التي عرفناها فيما تقدم.

وقد لخص معين الدين جشتي تعاليمه في مبادئ ثلاثة، فقال إن الصوفي ينبغي أن يكون «سخيًا كسخاء المحيط، وشفيقًا كشفقة الشمس، ومتواضعًا كتواضع الأرض». توفي معين الدين جشتي في مارس (آذار) 1236م، ومنذ ذلك الوقت حظي ضريحه بالاهتمام والتقدير اللائقين من قبل الملوك والسلاطين الذين تعاقبوا على حكم المنطقة، فقد زاره السلطان محمد بن تغلق شاه سلطان دلهي في عام 1333م، وكذلك زار الضريح إمبراطور المغول جلال الدين محمد أكبر أكثر من 14 مرة خلال فترة حكمه اجلالًا وعرفانًا بفضل «غريب نواز»، ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن ضريح الشيخ معين الدين جشتي ما زال عامرًا إلى اليوم يزوره مئات الآلاف من المسلمين والهندوس على حد سواء، وقد بنى مسجدًا بجواره بمدينته أجمير.

بين المعجزات واحتواء المساكين.. الطريقة الجشتية

كانت الصوفية طوق النجاة للكثير من سكان شبه القارة الهندسية، سواء من تهفو روحهم إلى التجلي الإلهي في الموسيقى والأشعار، أو من الفقراء الذين يطمحون إلى طُرق وفلسفات تحنو عليهم، وجاءت الصوفية وشيوخها لتقدم تلك الوجبة الدينية الدسمة التي يحتاجها هؤلاء السكان في ذاك الوقت.

الكتاب المقدس للديانة السيخية والذي يحتوي على أشعار بابا فريد

كان من أهم هؤلاء الشيوخ هو فريد الدين مسعود بمدينة ملتان الحالية، وهي مدينة باكستانية تقع في الجزء الجنوبي من مقاطعة البنجاب، إلا أنه غادر العاصمة دلهي هربًا من الاضطرابات السياسية الكثيرة، وسكن في بلدة على ضفاف نهر سولتي بالبنجاب، ومنذ ذلك الوقت دعا مكان سكناه بـ«باكبتان» أي «مركب الطاهرين»، ومما روي عنه أنه كان يقوم برياضات روحية شديدة، مثل «الخلوة المعكوسة»، حيث كان يقوم بتعليق نفسه من قدميه في أحد الآبار، ويقوم بالدعاء والذكر لمدة 40 يومًا، كما أشيعت عنه إحدى الكرامات بتحويل الحصى إلى سكر، ومنها جاء لقبه «كانجي شكر» أي كنز السكر.

يعتبر فريد الدين أحد الشيوخ المؤسسين للطريقة الجشتية نسبة للشيخ معين الدين جشتي – حيث إن الطرق الصوفية تنسب دائمًا للشيخ الأول – وقد أسس الشيخ ما يعرف بالـ«خانقاه» أو ما نعرفه حديثًا بالتكية، لإطعام الفقراء والمساكين وعابري السبيل، إلا أن إبقاء الخانقاه عامرة لفترة طويلة كان أمرًا صعبًا، خاصة مع رفض الجشتيين حيازة الأملاك أو الأراضي، إنما أقاموا المكان على العطايا والصدقات.

«تسأل السماء الأرض، كم من البحارة قد جاءوا ورحلوا؟ إن الجسد بالكاد يتعفن في القبر غير أن الروح هي التي تعاني العواقب» من أشعار بابا فريد.

ويبدو أن إنشاده للشعر بلغة البنجاب المحلية جعله أحد أولئك الصوفية الذين نشروا تعاليم التصوف من خلال الأغاني الشعبية، وخاصة بين النساء اللائي كن ينشدن هذه القصائد القصيرة أثناء أشغالهن اليومية، وقد عرف عن مشايخ الجشتية اهتمامهم بالشعر والموسيقى خلال الأجيال التالية أيضًا.

وهنا تعزى أهمية خاصة لدور الأشعار والكتابات التي كتبها فريد الدين بلغة إقليم البنجاب المحلية، إذ إنه أضاف قيمة فكرية رفيعة للكتابة الأدبية بهذه اللغة التي كانت أدنى مكانة في تلك الفترة مقارنة بالعربية، أو الفارسية، أو التركية.

وجدير بالذكر أنه يوجد مكان بمدينة القدس يسمى سراي الهند، روي أن فريد الدين قد عاش به خلال أوائل القرن الثالث عشر، منذ ما يقرب من ثماني قرون أي بعد أكثر من 10 سنوات من تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي، وهو مزار كان قيمًا عليه الشيخ محمد منير الانصاري، ذو الـ94 عامًا، الذي قال: إن المكان هو أول مزار وبيت ضيافة هندي في القدس يقدر عمره بـ800 عام منذ زاره «بابا فريد» وما زال يتردد عليه الزائرون إلى اليوم، حسبما ورد في تقرير صحافي للـ«بي بي سي» نشر في عام 2014.

شيخ التصوف الإسلامي رمز عند السيخيين أيضًا

توفي «بابا فريد» في مايو (أيار) 1266 ميلاديًا، ليتحول ضريحه إلى مزار يأتي إليه الناس من كل حدب وصوب كل عام، ليواصلوا رسالة «كنز السكر» في إطعام الفقراء، والمساكين، وعابري السبيل إلى وقتنا الحاضر، إذ يتم توزيع وجبات الطعام بالمجان طوال اليوم، وقد بُني بجواره مسجد حديث.

تجدر الإشارة إلى أن ضريح بابا فريد مقدس بالنسبة للديانة السيخية كذلك، وقد وضعوا بعض أِشعاره ضمن كتابهم المقدس المعروف باسم «جورو جرنث صاحب» وهو نص سيخي ضخم وقديم يعود إلى حوالي عام 1430م يعتبرونه نصهم الأكمل والأقدس؛ مما يدلل على مكانة فريد الدين في محيط بيئته.

ما جعل معتقدات الصوفي بابا فريد تشق طريقها بين أتباع الديانة السيخية، والسيخ يرون أن الإله واحد، وهو بدون شكل، أو جنس، ولكل شخص القدرة على الاتصال مباشرة بالإله – مثل الصوفية – فهو داخل كل شخص، والجميع سواسية أمام الله، والحياة الطيبة تكون بالالتزام بالأمانة والعطف داخل المجتمع.

والتابع لهذه الديانة يجب أن يلتزم بثلاثة أمور، وهي «نام جبنا» أي أن الله في العقل دائمًا، و«كيرت كارنا» أي الالتزام بالأمانة دائمًا، و«فاد شاكنا» اقتسام الرزق مع الآخرين. كما أن عليه الابتعاد عن الشرور الخمسة، وهي الشهوة، والطمع، والتعلق بهذا العالم، والغضب، والغرور.

ترجمت أشعار الشيخ فريد لعدة لغات رئيسة من بينها الإنجليزية في ترجمة قدمها أحد مترجمي اللغات الشرقية الكبار، وهو الشاعر بول سميث في العام 2017، وكان سميث قد نشر سابقًا الترجمات الإنجليزية لأشعار حافظ الشيرازي، والسعدي وكذلك جلال الدين الرومي وغيرهم من شعراء الصوفية الكبار.

وحتى يبلغ التكريم ذروته فقد حملت مؤسسات علمية ومراكز بحثية اسمه مثل جامعة بابا فريد لعلوم الصحة ضمن مجمع كبير للمعاهد العلمية بنفس الاسم بإقليم البنجاب بالهند.

انتشار التصوف في شبه القارة الهندية بالموسيقى

ليس الشعر فقط، ولكن الموسيقى كان لها دور مهم في نشر الفكر الصوفي من خلال التغني بتلك الأفكار التي تبنتها ودعت لها الصوفية، إذ تجد الموسيقة طريقًا أسرع وأيسر إلى القلب، ومن أهم من نشر تعاليم الصوفية من خلال الموسيقى هو ببغاء الهند، أو أبو الحسن يمين الدين خسرو الدهلوي، المشهور بأمير خسرو، ويعتبر أول شعراء العصر الإسلامي في الهند، وأكثرهم أهمية وانتشارًا، ولقب ببغاء الهند لجمال أشعاره.

ولد عام 1253م في منطقة بتيالي الواقعة في مقاطعة «أتر برديش» على ضفاف نهر الكنج، شمال الهند. وهي ولاية من أهم وأقدم ولايات الهند وتحتوى على العديد من الكنوز المعمارية الخالدة مثل تاج محل الشهير. كان طفلًا ذكيًا وسريع التعلم وبدأ كتابة الشعر في سن صغيرة، لينهي ديوانه الأول «تحفة الصغير» في عام 1271 وهو في سن المراهقة.

مات أبوه وهو في سن الثامنة، وبتأثير من البيئة المحيطة به كان الطفل الصغير يعرف الفارسية، والعربية، والتركية كذلك، وقد أكد خسرو مرارًا في أشعاره على كونه «تركيًا هنديًا» حيث إن أباه كان تركيًا، وأمه كانت هندية، وقد أطلق عليه الشاعر الفارسي الشهير حافظ الشيرازي لقب ببغاء الهند هذا.

كان هذا الشاعر مولعًا بتأليف الأشعار والملاحم بالفارسية، كما كتب مقالات عن الفن وكذلك أقصوصات تاريخية، ورغم أنه لم يكتب الكثير من الشعر الصوفي إلا أنه يعد من شعراء الصوفية الكبار في شبه القارة الهندية بسبب تطور موهبته وصقلها خلال انضمامه للطريقة الجشتية التي أثرت فيه تعاليمها في الموسيقى والسماع، فهم وإن كانوا صوفيين من أهل السنة، إلا أنهم أجازوا السماع واهتموا بالموسيقى أشد اهتمام؛ مما جعل من أمير خسرو بحق مؤسس التراث الموسيقي الهندو-إسلامي.

يعتبر خسرو بمثابة واضع البذرة الأولى لفن القوالي، وهو قالب شائع من الموسيقى الصوفية انتشر في جنوب آسيا، وتحديدًا في منطقة البنجاب والسند، ومعظم بنجلاديش كذلك، ومازال مشهورًا حتى الآن، ومن أشهر أعلامه المحدثين المغني الباكستاني نصرت فتح علي خان( 1948 – 1997م)، صاحب الحنجرة المتميزة ذات الطبقات الصوتية المتعددة.

كتب خسرو معظم أشعاره بالفارسية كما كتب باللغة الأردية كذلك، حتى أنه يطلق عليه اليوم أبو الأدب الأردي، والأردية لغة هندية آرية تنتمى لما يعرف بعائلة اللغات الهندو أوروبية، وهي اللغة الرسمية في باكستان وواحدة من ضمن 22 لغة رسمية في الهند أيضًا.

وقد أدخل ببغاء الهند العديد من القوالب الشعرية الغنائية إلى شبه القارة مثل الغزل الشعري الغنائي مستغلًا خبرته العريضة في قوالب الشعر الفارسي، فأدخل – على سبيل المثال لا الحصر – قالب المثنوي، أي الأبيات المزدوجة التي تتساوى فيها قوافي كل بيت على حدة عكس القوالب العربية التقليدية التي تلتزم بقافية واحدة لكل الأبيات، وهو القالب عينه الذي كتب به جلال الدين الرومي ديوانه الشهير، وتوفي ببغاء الهند أمير خسرو في عام 1325م ليتحول ضريحه إلى مزار ومسجد ما زال قائمًا وعامرًا بمئات الزائرين سنويًا في مدينة دلهي بالهند.

القوة الناعمة.. كيف انتشر الإسلام في الهند؟

أرجع بعض المؤرخين انتشار الإسلام جغرافيًا في الهند إلى النشاط الدءوب الذي قام به الدعاة الصوفيون، مؤكدين أن الصوفية تركت تأثيرًا لم يزل مستمرًا حتى الآن على الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية في جنوب آسيا، حيث تم تقديم الشكل الصوفي للإسلام على يد الشيوخ الصوفيين، وكان علماء الصوفية الذين يسافرون في أنحاء آسيا دورًا فعالًا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والفلسفية في الهند.

وإلى جانب الوعظ في المدن الكبرى وصل الصوفيون إلى المجتمعات الريفية الفقيرة والمهمشة وقاموا بالتبشير باللهجات المحلية، مثل الأردية، والسندية، والبنجابية، وظهرت الصوفية على أنها قوة اجتماعية دينية أخلاقية شاملة، ولذلك أثرت على التقاليد الدينية الأخرى مثل الهندوسية، وقد اجتذبت تقاليد الصوفية في الممارسات التعبيدة والمعيشة المتواضعة جميع الناس من كل الفئات في شبه القارة الهندية، وما زالت تلك التعاليم الإنسانية ومحبة الله والنبي محاطة بالحكايات الصوفية والأغاني الشعبية هناك حتى اليوم.

التصوف الإسلامي في الهند على نحو خاص تميز بامتزاج متناغم لتقاليد مختلفة، عربية وهندية وفارسية وتركية أخرجت في نهاية المطاف تراثًا ضخمًا وعظيمًا من الأشعار الصوفية والكتابات الكلاسيكية، وكذلك ترجمات كبار الصوفية العرب إلى اللغات المحلية، ولا شك أن يكون التصوف الإسلامي في الهند هو القوة الناعمة التي تسللت عبر جبال وأنهار الهند العديدة والعجيبة لتحقق انتشارًا وتوسعًا على الأرض أكبر وأكثر اتساعًا مما تفعله الجيوش المحاربة، ولتثبت أن «الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق» كما قال ابن عربي.

عن admin

شاهد أيضاً

فيدروف.-الفيلسوف-الزاهد-الذي-أطلق-أحلام-رواد-الفضاء

فيدروف.. الفيلسوف الزاهد الذي أطلق أحلام رواد الفضاء

تستطيع أن تتخيله في واحدة من ليالي الشتاء القارصة، بينما الزهد الذي يغلف قلبه والحزن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: