«تهديد من الداخل».. كيف يغزو اليمين المتطرف الجيوش الغربية؟

أصبحت ظاهرة اختراق اليمين المتطرِّف والنازيين الجدد للجيوش تثير جدلًا واسعًا لدى الدوائر الأمنية في عدَّة دول أوروبية بالإضافة إلى أمريكا الشمالية؛ بعد اكتشاف العديد من عناصر اليمين المتطرف داخل ثكناتها العسكرية في السنوات الأخيرة.

وفي حين تؤكد الحكومات أن هذه الظاهرة لا تمثِّل عقيدة جيوشها وليس بالحجم الذي قد يمثِّل أزمةً حقيقيةً؛ فإن العديد من المنظمات الحقوقية والمراكز البحثية تدقُّ ناقوس الخطر بسبب ما تصفه بـ«سياسة اللا عقاب» تجاه العناصر التي يثبت تورُّطها في الانتماء إلى حركات اليمين المتطرف داخل الجيش.

فرنسا.. تحقيق يكشف خليَّة نازية داخل الجيش 

في مارس (آذار) عام 2021 كشفت صحيفة «ميديابارت» الفرنسية وجود خليَّة من النازيين الجدد داخل الجيش الفرنسي بعد تحقيق تتبع منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصلت الصحيفة إلى أسماء 50 عنصرًا من هذه المجموعة التي لا تُخفي ميولها المتطرِّفة من خلال أخذ صور مع رموز نازية، مثل الصليب المعقوف أو أعلام للرايخ الثالث، بالإضافة إلى إلقاء التحيَّة النازية.

عناصر من اليمين المتطرف في الجيش الفرنسي

تحقيق صحيفة «ميديابارت» الفرنسية كشف حقائق صادمة عن نازيين جدد في الجيش الفرنسي. 

من جهتها وصفت وزيرة الدفاع الفرنسية «فلورانس بارلي» هذا الكشف الصحفي بـ«الخطير جدًّا»، لكنها عادت وحاولت تحجيم الظاهرة والتقليل من شأنها من خلال وصفها بأنها تتعلق بـ«حالات معزولة لا تمثِّل الجيش الفرنسي» حسب قولها.

ومن خلال تحليل لمنشورات أعضاء هذه الخلية النازية في الجيش الفرنسي، وصل الصحافيون إلى فيديوهات صادمة، أظهرت قيام الجنود بتصوير أطفال سود من جزيرة جويانا الفرنسية (مستعمرة فرنسية تقع في أمريكا الجنوبية) بعد أن أجبروهم على ترديد الشعارات النازية وأداء التحية النازية.

تاريخ

منذ 3 شهور
«شوكالسكي».. نبيّ اليمين المتطرف «التائب» الذي دمّر هتلر أعماله

وأظهر فيديو من حسابات أحد الجنود المشاركين في العملية العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل الأفريقي، إجبار الجنود لأحد الأفارقة على تأدية تمارين الضغط مع تعليقات مُهينة، وكان بيان لوزارة الدفاع الفرنسية أكَّد أن الجيش لن يتسامح مع أية أيديولوجيا متطرِّفة داخل صفوفه؛ وشدد على أن هذه الحالات (التي تعدُّ بالعشرات) لا تمثِّل الجيش الفرنسي الذي يملك 210 آلاف عنصر.

بريطانيا.. مشاعر يمينيَّة متطرِّفة داخل القوَّات المسلَّحة

في مايو (أيار) عام 2021 أشارت صحف بريطانية، من بينها صحيفة «الجارديان»، إلى أنَّ 16 عنصرًا من الجيش البريطاني على الأقل قد جرى تحويلهم إلى برنامج لمكافحة الإرهاب داخل المؤسسة العسكرية البريطانية، وذلك بسبب ميولهم اليمينية المتطرِّفة، فيما قالت منظَّمات حقوقية إن نشطاء اليمين المتطرف داخل الجيش أو المتورِّطين في حوادث عنصرية لا ينالون العقاب اللازم، وأن هنالك غضًّا للطرف من المسؤولين عن هذه الظاهرة الموجودة داخل الجيش البريطاني.

وضمَّت قائمة العناصر المتطرفة جنودًا من مختلف قطاعات الجيش وعلى رأسها القوَّات الجويَّة والبحرية، بالإضافة إلى عنصر كان من المقرَّر أن يعمل على غوَّاصة نووية، وكان بعضهم منخرطين بصفة رسمية في حركات «النازيين الجدد».

وعلَّق أحد أعضاء لجنة الداخلية في البرلمان البريطاني حول الموضوع بقوله: «هذه الأرقام مقلقة للغاية، لكنها ليست مفاجئة لأننا نعلم أن قوَّاتنا المسلحة أصبحت مستهدفة بشدَّة للاختراق والاستغلال من طرف اليمين المتطرف».

جنود بريطانيون يأخذون صورة رفقة تومي روبنسون، زعيم تنظيم «رابطة الدفاع الإنجليزية» اليميني المتطرِّف

وأثارت صورة يظهر فيها «تومي روبنسون» رئيس حركة «الرابطة الإنجليزية للدفاع» مع مجموعة من الجنود البريطانيين؛ جدلًا كبيرًا في وسائل التواصل الاجتماعي في بريطانيا؛ إذ إن الرابطة الإنجليزية هي إحدى كبرى مجموعات اليمين المتطرف في البلاد، ومعروفة بخطابها العدائي تجاه المهاجرين والمسلمين، والمعادي للسامية.

الباحث في التاريخ من جامعة «نورثامبتون» دانيال جونز أشار إلى أن اليمين المتطرف سعى لاختراق القوات المسلحة البريطانية منذ وقت مبكِّر بعد الحرب العالمية الثانية، إذ إن الخدمة العسكرية آنذاك كانت إجبارية على الشباب، مما جعل الثكنات العسكرية مكانًا ملائمًا لتجنيد اليافعين وضخِّ البروباجندا اليمينية داخل تلك الأوساط، ولفت إلى أن فرق المظلِّيين كانت تعرف أكبر نسبة من معتنقي هذه الأيديولوجيا المتطرِّفة، ربما نظرًا لسمعة هذه الفرقة بوصف عناصرها الأكثر شجاعة وإقدامًا من بين الفرق العسكرية المختلفة.

وفي السبعينيات انتقل اليمين المتطرف من محاولة اختراق الجيش داخليًّا إلى العمل في القوَّات المرتزقة في الخارج، إذ تورَّطت عناصر من اليمين المتطرف البريطانية ضد حركات التحرُّر الأفريقية ضد الاستعمار، بالخصوص خلال الحرب في زيمبابوي بين السكَّان المحلِّيين السود والمعمِّرين البيض.

وفي السنوات الأخيرة، جرى اعتقال مجموعة من عناصر الجيش المنخرطين في مجموعة «National Action»  اليمينية المتطرِّفة وذلك سنة 2017. واكتشف المحقّقون أن مجنَّدًا في الجيش منخرطًا في الحركة المتطرفة كان يجمع السلاح للتحضير لما عدَّه «الحرب العرقية» القادمة.

ويجد المحقِّقون صعوبة في اكتشاف عناصر اليمين المتطرف داخل القوات المسلحة بسبب أساليبهم الخاصة، مثل اللغة المعقَّدة المليئة بالرموز والإشارات الضمنية المتَّفق عليها، والتي تضمن للأعضاء المتطرِّفين التواصل بينهم في سرية وسلامة وعدم الوقوع تحت طائلة القانون، فمثلًا الإشارة «88» ترمز إلى الحرف الثامن من الأبجدية اللاتينية (حرف H)، والذي يرمز بدوره إلى عبارة “يحيا هتلر” (Heil Hitler) وهكذا.

أمريكا.. اقتحام الكابيتول يدفع السلطات لتشديد القبضة

أثار اقتحام مبنى الكابيتول في الولايات المتحدة الأمريكية من طرف أنصار الرئيس السابق «دونالد ترامب» في يناير (كانون الثاني) عام 2021، جدلًا حول ارتباطات قدامى المحاربين بالحركات اليمينية المتطرِّفة، فقد كشفت التحقيقات أن 43 شخصًا على الأقل من بين 357 جرى توجيه اتهامات لهم بسبب الاقتحام، لديهم خلفية عسكرية، وقد سقط أحد المهاجمين برصاص الشرطة أثناء محاولته اقتحام مبنى الكونجرس، واتضح لاحقًا أنه مجنَّد سابق في القوَّات الجويَّة.

والجنود السابقون، هم أيضًا شريحة مستهدفة من طرف أقصى اليمين المتطرف، وذلك لعدَّة اعتبارات، أهمَّها أنَّ شريحة كبيرة منهم يمتلكون أسلحة شخصية، إلى جانب الرصيد الرمزي والاحترام الذي يحظون به من طرف عائلاتهم والمجتمع بصفةٍ عامةٍ بسبب خدمتهم العسكرية في الجيش، وهو ما يساهم في رفع أسهم أي تنظيم أو تيَّار ينتمون إليه؛ ولذلك يسعى السياسيون والمرشَّحون دائمًا إلى استقطاب هذه الفئة.

Embed from Getty Images

حادثة اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي في يناير (كانون الثاني) 2021

وقد شكَّلت حادثة اقتحام الكابيتول لحظة فاصلة في كيفية تعامل «البنتاجون» مع ظاهرة اليمين المتطرف داخل القوات المسلحة، ففي الوقت الذي كانت فيه السلطات تقلِّل من جحم الظاهرة سابقًا، فتحت وزارة الدفاع الأمريكية تحقيقًا موسعًا للبحث عن معتنقي أيديولوجيا اليمين المتطرف داخل الجيش الأمريكي.

بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات أمنية استثنائية فيما يتعلَّق بتأمين العاصمة، من بينها تعميق البحث في الخلفيات الأيديولوجية والسياسية لعناصر الحرس الوطني المكلفين بحراسة العاصمة، هذا بالإضافة إلى مراقبة منشورات أعضاء الأجهزة الأمنية والعسكرية في مواقع التواصل الاجتماعي من أجل اكتشاف أي ميول متطرِّفة لديهم.

 ألمانيا وكندا.. إجراءات حكومية تحاول السيطرة على الظاهرة

إذا كانت التحقيقات في فرنسا وبريطانيا وأمريكا قد اكتشفت بعض الخلايا للنازيين الجدد واليمين المتطرف في أجهزتها العسكريَّة والأمنيَّة، فإن الوضع في ألمانيا قد بلغ مستويات صادمة، فحسب تقرير رسمي للحكومة فقد اكتشف المحقِّقون وجود أكثر من 1400 عضوٍ من اليمين المتطرف ينشطون داخل الجيش والشرطة والمخابرات خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.

واستدعى ذلك اتخاذ السلطات إجراءات عاجلة، من بينها إعادة هيكلة فرقة للقوَّات الخاصة تُعرف اختصارًا بـ «كاي أس كاي» المسؤولة عن مكافحة الإرهاب، بعد اكتشاف ارتباط بعض أعضائها باليمين المتطرف، وتوصلت السلطات إلى وجود مخزن للأسلحة لدى أحد ضبَّاطها المرتبطين باليمين المتطرف، بالإضافة إلى اعتياد جنود آخرين أداء التحيَّة النازية فيما بينهم.

Embed from Getty Images

جنود من الجيش الألماني

وأشارت ورقة بحثية لـ«المركز الدولي لمكافحة الإرهاب» إلى اختراق اليمين المتطرف للجيش الكندي، إذ بدأت المؤسسة العسكرية هي الأخرى في اكتشاف عناصر من اليمين المتطرف داخلها، وحاز الموضوع اهتمامًا سياسيًّا وإعلاميًّا بعد نشر تقرير حكومي سنة 2019 أكد اكتشاف 53 عنصرًا على الأقل متربطين بتيَّار اليمين المتطرف؛ ورغم العدد الصغير نسبيًّا، فإن حجم التدريب والخلفية العسكرية لهذه العناصر سمحت لهم بالوصول إلى مناصب قيادية داخل التنظيمات اليمينية المتطرفة.

وكشفت تحقيقات استقصائية وجود اتصالات بين أعضاء داخل القوات المسلحة الكندية وتنظيمات يمينية متطرفة، نوقشت خلالها «إستراتيجيات لاختراق القوات المسلحة والوصول إلى أسلحة والحصول على مهارات تكتيكية».

والعلاقة بين التنظيمات اليمينية والقوات المسلحة الكندية ليست جديدة، ففي عام 1993 تورط جنديَّان كنديان ينتميان إلى فرقة من القوات الخاصة (Airborne Regiment) وهما في مهمة لحفظ السلام في الصومال، في تعذيب صبي يبلغ من العمر 16 سنة حتى الموت، وهي الحادثة التي أدت إلى اشباكات بين أقارب الصبي والجنود خلَّفت أربعة قتلى صوماليين، وأثارت الواقعة موجةً من الاستياء الشعبي في كندا.

وربطت تحقيقات برلمانية حينها بين الفرقة الخاصة المذكورة وعدَّة حركات يمينية متطرفة، وجرى اكتشاف صورٍ لأحد الجنود المتورِّطين في عملية قتل الصوماليين وهو يرتدي قميصًا به صورة لزعيم النازي أدولف هتلر بجانب علم ألمانيا النازية، بالإضافة إلى عضويته في مجموعة «كو كلوكس كلان» (KKK) المعروفة بعدائها للسود.

لماذا تستقطب الجيوش اليمين المتطرف؟ 

يربط بعض الباحثين هذه الظاهرة، مثل دانيال كوهلر من «المركز الدولي لمكافحة الإرهاب» بين الطبيعة السلطوية لهذه المؤسسات القائمة على فلسفة القوة من أجل كسر إرادة الخصم وتحقيق الهدف المنشود، وهي الطبيعة التي تستقطب بدورها الأشخاص الذين يملكون ميولًا سلطويَّة تثمِّن قيمًا محافظة مثل الطاعة والانضباط والصرامة والنظام، أكثر من تثمينها للإبداع أو الخروج عن المألوف أو التفكير خارج الصندوق.

العلاقة بين الحركات اليمينية المتطرفة والقوات المسلحة لها العديد من الأبعاد والدوافع، فمن ناحية الشكل، تفضِّل هذه الحركات أن تنظِّم هياكلها بتنظيم الجيوش نفسه، من خلال اللباس الموحَّد والصفوف المتراصَّة والتراتبية الصلبة، كما أنَّها تقيم معسكرات تدريبية على استخدام السلاح والدفاع عن النفس، ويلاحظ من خلال سلوكها الإعلاء من قيم الطاعة الصارمة للأوامر والنظام الدقيق وطاعة القيادة العليا، وتقديس الشخصيات البطولية؛ وهي القيم نفسها المنتشرة داخل الثكنات العسكرية.

أما من الناحية البراجماتية، فإن اختراق الجيوش والمؤسسات الأمنية يعدُّ مكسبًا إستراتيجيًا لهذه التيَّارات التي لا تعوِّل على الانتخابات الشعبية للوصول إلى السلطة، فالجيوش تسمح لهذه المجموعات بالوصول إلى السلاح والاقتراب من مركز السلطة والتأثير.

بالإضافة إلى اكتساب المكانة الاجتماعية و«الشرعية» بالنظر إلى الاحترام والتقدير التي تكنُّه المجتمعات عادةً لجنود الجيش لتضحياتهم ومخاطرتهم بأرواحهم من أجل الوطن، وهو ما من شأنه رفع أسهم هذه الحركات وشرعنة أفكارها داخل المجتمع، فضلًا عن اكتساب المهارات القيادية والتنظيمية والقتالية التي يملكها الجنود وقدامى المحاربين، وهي المهارات المطلوبة لدى هذا النوع من الحركات التي يدعو بعضها صراحةً إلى الحرب الأهلية أو الحرب ضد الأعراق الأخرى.

أما الجانب الأخير فمتعلِّق بصعوبة انتقال الجنود السابقين من الحياة العسكرية إلى الحياة المدنيَّة، وما يصاحبه من مشاعر العزلة والوحدة وغياب المعنى، ومشاكل الاندماج من جديدٍ بعد ترك الجيش، وهو ما تستغلُّه حركات اليمين المتطرف من خلال إيجاد بيئة مرحِّبة بقدامى الجيش وتوفير معنى جديد للحياة عن طريق إذكاء مشاعر الكراهية تجاه العدو الداخلي المفترض.

عن admin

شاهد أيضاً

كومودوس.-إمبراطور-روما-المجنون-الذي-أنهى-عصرها-الذهبي

كومودوس.. إمبراطور روما المجنون الذي أنهى عصرها الذهبي

«عززت الإمبراطورية مكانة أولئك الذين حكموا قبلي، والتي حصلوا عليها بوصفها شرفًا إضافيًّا، لكنني وحدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *