في ذكرى انفجار مرفأ بيروت.. هذا أهم ما وصلت إليه التحقيقات حتى الآن

في الرابع من أغسطس (آب) 2020، شهدنا واحدًا من أكبر التفجيرات – غير النووية- في التاريخ الحديث بمرفأ العاصمة اللبنانية بيروت، وهو ما ألحق أضرارًا في أكثر من نصف المدينة، وأسفر عن مقتل 218 فردًا وإصابة حوالي 7 آلاف آخرين بحسب تقديرات «هيومان رايتس ووتش»، واليوم في ذكرى مرور عام كامل على الانفجار، نستعرض ونستذكر ما توصلت إليه أهم نتائج التحقيقات المتعاقبة بخصوص المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت، والذين حتى الآن لم يُعاقَبوا.

قصة شحنة النترات الموجودة في «مرفأ بيروت» منذ 2013

جاء انفجار مرفأ بيروت في أغسطس الفائت ناتجًا من انفجار أطنان من مادة «نترات الأمونيوم»، وهي مركب كيميائي قابل للاشتعال يستخدم عادة في السماد، إلا أن له استخدامات أخرى خاصة بصنع المتفجرات.

دخلت شحنة نترات الأمونيوم ميناء بيروت على متن سفينة ترفع علم جمهورية مولدوفا الأوروبية، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، وجرى تخزين الشحنة القادمة في ميناء المدينة بين يومي 23 و24 أكتوبر (تشرين الأول) 2014.

وعن سبب وجود السفينة بميناء بيروت كل هذا الوقت، يشير قبطان السفينة «روسوس» في حوارٍ مع وكالة «بي بي سي» الإخبارية عام 2020، إلى أن روسوس كان من المفترض أن تعبر قناة السويس فيما بعد، إلا أنها علقت في ميناء بيروت نظرًا إلى ثقل الحمولة، وانبعاج باب الخزان الذي كان صدئًا وضعيفًا.

بعدها اضطر طاقم السفينة للعودة إلى بلادهم، إلا أن القبطان وثلاثة آخرين اضطروا للبقاء مع الحمولة؛ إذ لم تسمح لهم السلطات اللبنانية بالمغادرة، واحتجزوا السفينة، بعدما تعثر المالك في دفع المستحقات اللازمة للعبور، بالإضافة إلى غرامة الحمولة الزائدة، وبقي القبطان ومن معه رهائن على متن روسوس، مدة 10 شهور، حتى سمحت لهم المحكمة اللبنانية بالمغادرة.

(حوار قبطان السفينة روسوس مع وكالة بي بي سي)

في نهاية حواره مع «بي بي سي» أشار قبطان السفينة إلى أن السلطات اللبنانية كانت تعلم مسبقًا مدى خطورة الشحنة الموجودة على السفينة، وأنها يجب ألا تبقى بالميناء قائلًا: «كان عليهم فقط دفع بضعة آلاف من الدولارات لمالك السفينة، والتخلص منها»، ورغم ذلك أبقت السلطات على السفينة في انتظار المستحقات من المالك، وهو ما كلفهم تلك الخسارة الفادحة.

بلغت خسائر هذا الانفجار ما بين 390 إلى 475 مليون دولار أمريكي، وفقًا للبنك الدولي؛ إذ ألحق أضرارًا بحوالي 77 ألف شقة سكنية، وتسبب في نزوح أكثر من 300 ألف شخص، فضلًا عن تعطيل أكثر من نصف مراكز الرعاية الصحية، وهو ما ألحق أضرارًا بالغة بالبنية التحتية للدولة اللبنانية.

هل يقف المسؤولون اللبنانيون في قفص الاتهام؟

طالب ضحايا الانفجار وذووهم وأقارب القتلى، السلطات اللبنانية بالتحقيق في أسباب الانفجار، وتحديد المسؤولين عنه، رغم ذلك ولفترة طويلة تعرضت جهودهم لمقاومة شرسة من السياسيين اللبنانيين ذوي النفوذ، بحسب «نيويورك تايمز»؛ مما جعل اللبنانيين، يخشون أن يفلت المسؤولون من العقاب.

نشرت «نيويورك تايمز» في يوليو (تموز) 2021، أخبارًا عن استدعاء حفنة من السياسيين والمسؤولين اللبنانيين ذوي النفوذ لاستجوابهم فيما يخص انفجار مرفأ بيروت العام الماضي، مع توقعات باحتمالية توجيه تهم جنائية إليهم.

تناول التقرير مبادرات القاضي طارق بيطار، المسؤول عن التحقيق في الانفجار الضخم، لتحديد السبب الدقيق للانفجار، ومحاسبة المسؤولين عنه، وهي المبادرة الأحدث بين عدة محاولات فاشلة سبقت ذلك، بحسب «نيويورك تايمز». إذ يعد القاضي بيطار هو القاضي الثاني الذي يرأس التحقيق في انفجار مرفأ بيروت.

عمل المسؤولون اللبنانيون لفترات طويلة على استخدام المناورات القانونية والعلاقات، هذا إلى جانب الحصانة التي من المفترض أن تحمي النيابيين منهم من النيابة، إلا أنهم استخدموها لتجنب العقاب في كثيرٍ من الأحيان، بحسب التقرير؛ إلا أن القاضي بيطار يعمل في الآونة الأخيرة على رفع الحصانة عن المسؤولين ليتمكن من متابعة عمله في التحقيقات.

في يوليو الفائت استدعى بيطار رئيس الوزراء المؤقت حسان دياب مشتبهًا به، كما طالب مجلس النواب برفعِ الحصانة عن ثلاثة أعضاء عملوا وزراء في الحكومات السابقة، إبان الانفجار؛ هم: «وزير النقل السابق غازي زعيتر، ووزير المالية السابق علي حسن خليل، ووزير الداخلية السابق نهاد المشنوق»، من أجل استجوابهم مشتبه بهم بتهمة القتل العمد والإهمال الجنائي.

طالب بيطار أيضًا من وزير الداخلية الإذن لاستجواب المشتبه به الجنرال عباس إبراهيم، وهو رئيس جهاز الأمن العام اللبناني، وواحد من أقوى الشخصيات في البلاد، كما استدعى من أجل الاستجواب شخصيات أمنية وعسكرية أخرى.

عن ذلك تقول آية مجذوب، باحثة في «هيومن رايتس ووتش» إن جهود القاضي بيطار ستختبر في الفترة القادمة النظام السياسي الذي عمل على حماية المسؤولين للإفلات من العقاب لفترةٍ طويلة، لكن من المرجح بحسب التقرير أن يواجه بيطار مقاومة شرسة من جراء ملاحقته للشخصيات البارزة في البلاد.

«السلطات اللبنانية عرقلت التحقيقات مدة عام كامل»

في العام الماضي، وعدت السلطات اللبنانية بإجراء تحقيق سريع ووافٍ للبحث في أسباب انفجار مرفأ بيروت، ومعاقبة المسؤولين عن ذلك، رغم ذلك تشير «منظمة العفو الدولية» في تقريرها الأخير الصادر في 2 أغسطس (آب) 2021، إلى أن السلطات بدلًا من ذلك قد عمدت إلى عرقلة التحقيقات وإعاقة العدالة، وذلك بحسب لين معلوف، نائبة مدير منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

«على مدار عام كامل، بذلت السلطات اللبنانية جهودًا حثيثة لحماية المسؤولين ذوي النفوذ من التدقيقات القانونية، وهو ما أعاق سير التحقيقات بصورة متكررة». *لين معلوف

فصلت السلطات القاضي الأول الذي تولى التحقيقات في انفجار المرفأ، فادي صوان، وذلك بعدما واجه هجمة شرسة من سياسيين بارزين ومؤسسات إعلامية موالية لهم؛ إذ اتهموه بخرق القانون اللبناني وعدم الحياد، كونه واحدًا ممن تضررت منازلهم إبان الانفجار.

Embed from Getty Images

(انفجار مرفأ بيروت)

جاء ذلك بعدما طالب صوان باستدعاء رئيس الوزراء المؤقت وثلاثة وزراء سابقين، مشتبهًا بهم بتهمة الإهمال الجنائي. إذ قضت المحكمة اللبنانية بإبعاده عن سير التحقيقات بعدما طالب الوزيرين السابقين علي حسن خليل، وغازي زعيتر بإبعاده لعدم الحياد.

في الوقت الحالي، يواجه القاضي بيطار تحديات مشابهة، بحسب «منظمة العفو الدولية»، بعدما رفض مجلس النواب طلبه برفع الحصانة عن ثلاثة أعضاء من الوزراء السابقين، كما رفض السماح له باستجواب بعض كبار رجال الأمن ممن كانوا على صلة بالمأساة. إذ رفض وزير الداخلية المؤقت محمد فهمي، استجواب الجنرال عباس إبراهيم.

وكانت نقابة المحامين في بيروت وطرابلس هي الوحيدة التي وافقت على رفع الحصانة عن الشخصيات التابعة لها المطلوبة للتحقيقات؛ إلا أن الحصانات البرلمانية لا تزال سارية حتى الآن ويأتي ذلك رغمًا عن المظاهرات والاحتجاجات التي استمرت لأسابيع ويقودها أهالي الضحايا والمتضررين، تعبيرًا عن ألمهم وغضبهم من عرقلة العدالة مرارًا وتكرارًا.

Embed from Getty Images

(المظاهرات التي أعقبت الانفجار)

بحسب «منظمة العفو الدولية»، هناك وثائق رسمية مُسربة تشير إلى تحذير سلطات الجمارك للحكومات المتعاقبة من وجود «شحنة خطيرة» من المواد الكيميائية المتفجرة قابعة في الميناء، وجاءت تلك التحذيرات في 10 مناسبات مختلفة على الأقل خلال الست سنوات الفائتة، ورغم ذلك لم يجر اتخاذ أية إجراءات بخصوص هذا الأمر من قبل الحكومات المتعاقبة، ويشير تقرير المنظمة أيضًا إلى أن الرئيس ذاته كان على علم بوجود تلك المواد الخطيرة، إلا أنه قد ترك الأمر للسلطات لمعالجته. 

تعرف إلى آخر ما توصلت إليه التحقيقات

أشارت «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها أول أمس، 2 أغسطس 2021، إلى أن هناك أدلة تشير إلى تورط بعض كبار المسؤولين اللبنانيين في انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020. رغم ذلك، منعت الإجراءات المنهجية في النظام القانوني والسياسي اللبناني خضوعهم للمساءلة القانونية.

لذا تشير المنظمة إلى أنه على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن يفوض بإجراء تحقيق شامل لمعاقبة المسؤولين المتورطين في انفجار المرفأ، خاصةً بعد ظهور الأدلة الأخيرة التي تناولت الفساد وسوء الإدارة لسنوات طويلة داخل الميناء، وهو الفساد الذي سمح بانفجار أطنان من «نترات الأمونيوم» بعد تخزين هذا المركب غير الآمن مدة تزيد على ست سنوات.

وقد أعربت لما فقيه، المسؤولة عن إدارة الصراعات والأزمات بـ«هيومن رايتس ووتش»، أن كبار المسؤولين اللبنانيين قد أغفلوا الإبلاغ بدقة عن مدى خطورة هذا المركب «نترات الأمونيوم» وخزنوا تلك المواد عن قصد بطريقة غير آمنة، وهو ما يعد فشلًا في حماية الشعب اللبناني.

كانت «هيومن رايتس ووتش» قد اعتمدت في بحثها على المراسلات الرسمية الخاصة بالسفينة التي جلبت تلك المواد إلى ميناء بيروت، بالإضافة إلى مقابلات مع مسؤولين حكوميين وأمنيين وقضائيين، لبيان كيف وصلت تلك المواد الخطيرة إلى الميناء وكيف جرى تخزينها.

وأشارت الأدلة إلى أن شحنة النترات كان من المفترض أن تذهب إلى موزمبيق، بحسب وثائق شحن السفينة روسوس، كما أكدت أن السلطات اللبنانية أهملت جنائيًّا في تعاملها مع الشحنة ومدى خطورتها، وهو ما سبب فيما بعد خطرًا هائلًا على حياة الشعب اللبناني.

أما معرفة المسؤولين اللبنانيين بمدى خطورة تلك المواد وتغاضيهم عن ذلك، فمن الممكن أن يرقى جنائيًّا إلى جريمة القتل العمد بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ما يعد فشلًا للدولة اللبنانية في التصرف وحماية حياة مواطنيها من المخاطر المتوقعة، بحسب المنظمة.

في الوقت ذاته، دعا 25 عضوًا في الكونجرس الأمريكي في مايو (أيار) 2021، إلى دعم تحقيق تقوده «الأمم المتحدة»، فيما يتعلق بانفجار مرفأ بيروت؛ إذ بعث رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي و24 عضوًا آخرين في «الكونجرس» برسالة إلى وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، أعربوا فيها عن قلقهم إزاء تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية في لبنان، كما طالبوا الولايات المتحدة وإدارة الرئيس بايدن بقيادة الدعوة من أجل إجراء تحقيق محايد فيما يخص الانفجار.

 وفي يونيو (حزيران) الفائت، كتبت منظمة العفو الدولية إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مع ائتلاف يضم أكثر من 50 منظمة لبنانية ودولية، داعية إلى إرسال بعثة تحقيق دولية لتقصي الحقائق في انفجار بيروت، مدتها عام واحد، وسلطت الرسالة الضوء على العيوب المنهجية والإجرائية التي قد تمنع السلطات اللبنانية من الوفاء بالتزاماتهم، وتحقيق الإنصاف للضحايا، فهل تستجيب الأمم المتحدة لهذه الدعوة؟

عربي

منذ 3 أسابيع
ثلث أطفال لبنان باتوا لياليهم الشهر الماضي بأمعاءٍ خاويةٍ.. ما هي خيارات لبنان؟

عن admin

شاهد أيضاً

ليس-رفضًا-للجنين.-اكتئاب-الحمل-«مرض»-وعليكِ-طلب-المساعدة

ليس رفضًا للجنين.. اكتئاب الحمل «مرض» وعليكِ طلب المساعدة

امرأة ببطن منتفخ وشعر لامع ومصفف بعناية، ملابس فضفاضة غالبًا ذات ألوان فاتحة، تتموضع بسعادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: