كلمة السر: العنصرية.. كورونا يضرب إسرائيل بقوة رغم نظام التلقيح السريع

كانت إسرائيل أحد النماذج التي كان يحتذى بها خلال أزمة كورونا، وذلك في أعقاب عملية التلقيح السريعة ضد الفيروس. فبحلول أواخر فبراير (شباط) 2021، كانت السلطات قد أعطت جرعة واحدة على الأقل من اللقاح لنحو 50% من السكان، وذلك مع استخدام لقاحات فايزر.

ونتيجة لهذا التوسع، ألغيت عمليات الإغلاق والتدابير الاستثنائية، وأعيدت الحياة إلى طبيعتها في صيف عام 2021. لكن منذ ذلك الوقت أبلغت إسرائيل تدريجيًّا عن تفشي المرض بقوة، فقد سجلت أكثر من 10 آلاف حالة جديدة مؤكدة كل يوم في أوائل سبتمبر (أيلول) الجاري.

فما الذي حدث؟ ولماذا بات كورونا يضرب إسرائيل من جديد رغم التلقيح الواسع؟ السر هنا في نطاق تغطية اللقاح وعدم وصوله إلى فئات معينة داخل المجتمع الإسرائيلي.

أكثر من ثلث السكان غير محصنين وكورونا يضرب إسرائيل بقوة

أحد العناصر الرئيسية لمشكلة عودة انتشار فيروس كورونا في المجتمع الإسرائيلي يتعلق بنطاق تغطية اللقاح. فبعد بدايتها السريعة، تباطأ انتشار اللقاح في إسرائيل. لم يكن هناك أي انقطاع واضح في إمدادات اللقاح، لكن المشكلة كانت في إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية. على سبيل المثال، هناك دليل على أن الأقلية العربية والجماعات اليهودية المتشددة لم تأخذ أو لم يصل إليها اللقاح بالشكل الملائم.

Embed from Getty Images

نعود إلى الأرقام، فقد زادت نسبة السكان الذين تلقوا جرعة واحدة للقاح كورونا في إسرائيل من 50% في فبراير إلى 68% فقط في سبتمبر؛ ما يعني أن معدل وسرعة توزيع اللقاح تناقصت بشكل واضح، يأتي هذا بالرغم من أنه جرى تضمين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و15 عامًا في عملية تلقي اللقاح منذ يونيو (حزيران) 2021. لتصبح نسبة من تلقى اللقاح 62% من إجمالي السكان فقط تلقوا جرعتي اللقاح، مما يعني أن أكثر من ثلث السكان غير محصنين بعد (ما يقرب من 2.7 ملايين شخص).

1. «سياسة التمييز الإسرائيلية».. الفلسطينيون «فئات غير مُحبذة»

في الوقت الذي كانت فيه قصة نجاح إسرائيل في تلقيح سكانها بسرعة حديث العالم، كان هناك جانب آخر مظلم، فمنذ لحظة وصول لقاحات شركة فايزر إلى إسرائيل لأول مرة، أثيرت قضية التعامل مع بعض الفئات التي قيل إنها «غير محبذة»، في إشارة إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافةً إلى الأسرى الذين يبلغ عددهم نحو 5 آلاف أسير، بل حتى فلسطينيي الخط الأخضر الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.

في شهر يناير (كانون الثاني) 2021، انطلقت حملة تواقيع دولية ضد «سياسة التمييز الإسرائيلية» وللضغط على تل أبيب، والمجتمع الدولي لتوفير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا للفلسطينيين. جاء هذا في وقت جدد فيه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي تأكيده على قرار سابق بحجب التطعيم عن الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

Embed from Getty Images

هذا مثال على كيفية قيام الحكومة الإسرائيلية بالتعامل مع موضوع اللقاح، فقد تبين أنها اعتبرت نفسها مسؤولة فقط عن تقديم اللقاح لحملة الجنسية الإسرائيلية – ولا سيما اليهود منهم – من بينهم المستوطنون الذين يقيمون في مستوطنات الضفة الغربية المحتلة. لكن انتشار الفيروس بين الفلسطينيين في الضفة الغربية بالذات قد يؤدي إلى سرعة انتشاره داخل الخط الأخضر وبين المستوطنين الذين يصعب فصلهم عن مناطق انتشار الفلسطينيين!

2. عرب الداخل المحتل من «المغضوب عليهم» والحريديم يؤمنون بنظرية المؤامرة!

الإحصاءات الرسمية الإسرائيلية الشهر الماضي أشارت إلى أن أكثر من مليون شخص لم يتلقَّوا اللقاح المضاد لكورونا نهائيًّا، وغالبية هؤلاء من العرب واليهود المتدينين المتشددين «الحريديم»، إضافة إلى فئة الشباب والمهمّشين في إسرائيل. وحتى الآن، تلقى أكثر من 5.8 ملايين شخص تلقَّوا جرعتين، على الأقل، في حين تلقى 1.2 ملايين شخص جرعة ثالثة معززة من اللقاح.

ونقلت وسائل إعلام عن إحصائيات وزارة الصحة الإسرائيلية أن من بين مليون و80 ألف شخص مؤهل للحصول على اللقاح، لم يتلق أحد منهم التطعيم بعد، من بينهم 31% عرب، و16% يهود من المتدينين المتشددين، علمًا بأن العرب يشكلون نحو 21% من سكَّان إسرائيل، فيما يمثل الحريديم نحو 12% من سكان البلاد.

جدير بالذكر أن الحريديم يرفضون إجراءات التباعد الاجتماعي التي لا تتماشى مع عاداتهم الإيمانية وطقوس عبادتهم، وكان هؤلاء من أشد الرافضين لتلقي التطعيمات ظنًّا منهم أنها مؤامرة.

وأظهرت الإحصائيات أن البدو وسكَّان القدس الشرقية المحتلة، هم الأقل حصولًا على التطعيم بين السكان العرب في إسرائيل، فمعدلات الإقبال بين العرب تتفاوت حسب المنطقة، فالمعدلات مرتفعة نسبيًا في منطقة الجليل، وأقل قليلًا في وسط البلاد، لكنها منخفضة جدًّا بين السكان البدو في جنوب النقب.

3. «البدو».. استبعدتهم إسرائيل من خطة التلقيح في البداية والآن تدفع الثمن

البلدات الموجودة في جنوب النقب العشر التي تشهد أدنى معدلات تطعيم، والتي يسكنها عشرات الآلاف من السكان معظمها غير معترف به من قبل الحكومة الإسرائيلية. فالقرى غير المعترف بها تمثل مشكلة حقيقية، لأنه لا يتم توفير اللقاح هناك بشكل كبير، وبالتالي تكون استجابة السكان منخفضة، وذلك بحسب ما ذكره أطباء عرب داخل إسرائيل.

Embed from Getty Images

ويعيش نحو 60% من السكان البدو في إسرائيل (نحو 175 ألف شخص) في قرى غير معترف بها. ولطالما شكلت هذه البلدات المثيرة للجدل، التي لا يصل لأغلبها المياه الجارية والكهرباء، معضلة سياسية شائكة. فالحكومة الإسرائيلية تعد هذه القرى غير شرعية، وسعت سابقًا إلى نقل البدو إلى مدن مخططة مرتبطة بشبكات الخدمات الأساسية. لكن السكان يصرون منذ فترة طويلة على حقهم في البقاء في بلدتاهم وعد تهجيرهم قسريًّا.

وشهدت هذه البلدات اشتباكات متعددة مع قوات الأمن وسوء معاملة، وعمليات هدم منازل طوال عقود بهدف تهجيرهم لإحداث تحول ديموغرافي؛ مما جعل هناك انعدام ثقة كبير بين الناس ومؤسسات الدولة. من هنا، ظهرت شائعات بين السكان أن الدولة تريد تعقيمهم والتخلص منهم عبر هذه اللقاحات، وبالطبع، لا يوجد دور حكومي لكسب الثقة وإقناعهم.

ويشير بعض السكان إلى أنه لم يزرهم أي موظف صحي منذ بدء الجائحة، بينما تواصلت أوامر الهدم التي تستهدف منازل بنيت من دون تراخيص. ويعد الحصول على تراخيص بناء في هذه المناطق أمرًا مستحيلًا.

يذكر أنه في بداية حملة التطعيم، استبعد البدو من خطة التلقيح، لكن في الوقت الحالي، ورغم توفير اللقاحات، فإن انعدام الثقة جعل العرب يرفضون التطعيم على نطاق واسع، دون أن تقوم الحكومة الإسرائيلية بمجهود يذكر لنشر الوعي بينهم، بل وفي بعض المناطق يكون مكان تلقي التطعيم بعيدًا؛ مما يمثل عبئًا على السكان الذين لا يتمكنون من التنقل بسهولة، الآن تدفع إسرائيل ثمن هذا.

4. وتخفيف القيود بشكل مبكر يُنذر بتفشي كارثة «هندية» جديدة

جزء آخر من المشكلة يتمثل في إنهاء إسرائيل للقيود المفروضة بشكل مبكر للغاية، فما حدث في إسرائيل هو أحد الأمثلة لتلك الدول التي تزيد القيود سريعًا، وتوضح كيف يمكن أن يستمر انتشار المرض بسهولة عندما تشجع السياسة الوطنية اختلاط الأشخاص المعرضين للإصابة مع عدم وجود قيود أو القليل منها. ظهرت العواقب المأساوية لتخفيف القيود في الهند والتي كانت كارثية للغاية.

Embed from Getty Images

هناك مؤشر يسمى «مؤشر شدة كوفيد»، وهو مقياس لمدى صرامة سياسات احتواء الوباء في كل بلد حول العالم. اعتبارًا من 28 أغسطس (آب) 2021، كانت درجة هذا المؤشر في إسرائيل 45.4، وهي أقل صرامة بكثير من نيوزيلندا على سبيل المثال، حيث لا يزال تفشي المرض محدود النطاق (96.3)، ولكن يمكن مقارنته بالمملكة المتحدة (44)، التي تبلغ عن 30 ألف حالة جديدة يوميًّا.

5. أسباب أخرى غير مؤكدة والشك يحوم حول متحور «دلتا»

هناك بعض الأسباب أو التوقعات حول هذه الزيادة الكبيرة في أعداد المصابين بفيروس كورونا. إذ إن هناك مخاوف من أن المناعة التي توفرها لقاحات فايزر قد تتضاءل بمرور الوقت، على الرغم من أن الكثير من الأبحاث حول هذا لا تزال في مرحلة مبكرة (مما يعني أنها لا تزال تنتظر المراجعة من قبل علماء آخرين).

ومع ذلك، تظهر بيانات المستشفيات في إسرائيل أن الأشخاص الذين تلقحوا معرضون للإصابة بالعدوى. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن ما يقرب من 60% من الحالات الموجودة بالمستشفيات تلقت التطعيم بشكل كامل. ومع ذلك، يقول الخبراء إن هذا لا يعني بالضرورة أن اللقاحات قد فقدت فعاليتها. فقد شوهد هذا الاتجاه نفسه في المملكة المتحدة أيضًا، وقد يعكس ببساطة حقيقة أن كبار السن هم أكثر عرضة لتلقي اللقاح لكنهم أيضًا أكثر عرضة للإصابة بالمرض.

هناك عامل آخر هو متحور أو متغير «دلتا» الأكثر قابلية للانتقال، والذي يهيمن على إسرائيل الآن بشكل واضح. قد تفسر قدرته الأكبر على الانتشار جزئيًّا حالة الارتفاع في الإصابات أيضًا.

صحة

منذ أسبوع
هل يمكن أن يصل العلماء للقاح واحد سحري ضد كل متحورات كورونا؟

عن admin

شاهد أيضاً

دولتان-مسلمتان-تخشيان-من-أحلام-أستراليا-النووية.-لماذا؟

دولتان مسلمتان تخشيان من أحلام أستراليا النووية.. لماذا؟

منذ إعلان أستراليا في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 الاشتراك في تحالف أمني جديد باسم «أوكوس» …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: