ليس رفضًا للجنين.. اكتئاب الحمل «مرض» وعليكِ طلب المساعدة

امرأة ببطن منتفخ وشعر لامع ومصفف بعناية، ملابس فضفاضة غالبًا ذات ألوان فاتحة، تتموضع بسعادة أمام الكاميرا لتبرز فخرها وسعادتها بحملها وبطنها المنتفخ؛ إذ دائمًا ما تكون صور النساء الحوامل مليئة بالدفء والهدوء والراحة، وهناك ابتسامة تتصدر الكادر، وبراح يلوح في الأفق، «الأمل هو اسم هذه اللعبة».

ما سبق هي الصورة النمطية للحامل في أذهاننا، لكن هل هناك صورة أخرى؟ هل هناك امرأة أخرى حامل لكنها ليست سعيدة كما يبدو في صور الحوامل المعتادة؟ هل هناك امرأة حامل لا تشعر سوى بالخوف؟ هل هناك نساء يحملن همًّا على صدورهن يوازي في ثقله الحمل داخل بطونهن؟ تلك هي المسألة.

«الوحش النائم».. هل اكتئاب الحمل حقيقة؟

تحكي لنا سحر محمد، صيدلانية تبلغ من العمر 40 عامًا عن فترة حملها وتقول «رغم أنني أم منذ ما يقارب 15 عامًا، فإنني كلما أتذكر تلك الفترة ما زلت أسترجع شعور أنه (صعبان عليا نفسي) فقد مررت باكتئاب حمل شديد لم يكن أحد ممن حولي قادرًا على استيعابه، فكنت بالإضافة لمأساة اكتئابي مضطرة لتبرير حزني بأسباب وهمية كي يستوعب من حولي لماذا أشعر بكل هذا الحزن والقلق».

Embed from Getty Images

تحكي سحر عن الأعراض الاكتئابية التي صاحبت حملها فتقول: «كنت عصبية جدًّا ولا أستطيع التركيز مطلقًا، أنام كثيرًا وطوال نومي أحلم بكوابيس مفزعة، وأفكر دومًا في أن الحل الوحيد لكل ما ينتابني من مشاعر هو الموت، أن أموت فجأة فتحل مشاكلي كلها، لم تكن تنتابني أفكار انتحارية، ولا كنت أفكر في إنهاء حياتي بنفسي، لكنني كنت أتمنى أن تنتهي من تلقاء نفسها»، وتقول سحر إن كل هذه المشاعر لم تكن مبررة، فحملها كان مرغوبًا فيه، ولم تكن تعاني من مشكلات زوجية تجعلها ترفض الحمل منطقيًّا، لكنها لم يكن لها أي سيطرة على تلك الأفكار غير المنطقية.

تستكمل سحر حديثها مع «ساسة بوست» فتقول: «جرى تشخيصي بالاكتئاب ففهمت لماذا تنتابني هذه الأفكار، لكن زوجي لم يكن داعمًا لي، ربما لأنه لم يكن يفهم أن الحمل يمكن أن يسبب للمرأة أي شيء سوى السعادة، وربما لأننا كنا صغار السن نسبيًّا وقتها، ولكن الأكيد أنني عندما أتذكر تلك الفترة أغضب من موقفه وأشعر بالحزن، فلو كنت تلقيت أي دعم أو تفهم وقتها ربما كنت سأتخطى اكتئابي سريعًا».

أما س.ج (35 عام) وتعمل أخصائية تعديل سلوك للأطفال واستشاريًّا أسريًّا، فتحكي لنا عن تجربتها الحالية في حملها والتي أيضًا شخصت «اكتئاب حمل» فتقول: «أشعر بأنني لا أريد أن أكون حاملًا، وانتابتني أفكار سيئة عن علاقتي بزوجي وعن شخصيته، أتخيل دومًا أنه شخص سيئ، وأنني أم فاشلة، رغم أنني أم بالفعل لطفلين، أفكر أنني سوف أفقد عملي وأنني سوف أقصر في بيتي رغم أن زوجي داعم لي ولا يطالبني بأي مسئوليات زائدة، إلى جانب أن علاقتنا قوية وقد زادها هذا الحمل قوة، ورغم أننا فرحنا بالخبر الذي لم يكن مخططًا له، فإنني لا يمكنني السيطرة على أفكاري، ولذلك ألجأ للمساعدة النفسية المتخصصة كي أتخطى هذه الفترة العصيبة».

أما ن.ي، والتي تبلغ من العمر 31 عامًا وتعمل طبيبة، فتحكي لنا تجربتها مع اكتئاب الحمل وتقول: «كنت أحرص جدًّا على كل تفصيلة تخص جنيني، وأحاول أن أحميه من كل شيء يمكن أن يسبب له أي ضرر، كنت ملتزمة بأدويتي وبنوعية تغذيتي، لكنني كنت أمر بالتوازي مع حملي بتجربة جديدة تمامًا على حياتي، فقد كنت أبدأ فترة عملي طبيبة مقيمة دون زوجي الذي يعمل في بلد آخر».

وتضيف: «تسبب إرهاق العمل الشاق وساعات العمل الطويلة في إجهاض منذر؛ فأصبحت مهووسة بالضرر الذي يمكن أن يحدث لجنيني، كنت أتفقد ملابسي الداخلية أكثر من مرة خلال اليوم وأخاف جدًّا أن أرى دماء، في هذه اللحظة شعرت بأنني أسقط في حفرة عميقة، تنتابني مشاعر سيئة وقلق مزمن وخوف شديد يدمرني ويدمر كل شيء حولي، فقررت وقتها الحصول على مساعدة نفسية متخصصة».

صحة

منذ 8 شهور
مترجم: نظرة جديدة على الاكتئاب.. حيلة دفاعية وليس مرضًا

تستكمل حديثها فتخبرنا بأن ما ساعدها في تخطي اكتئابها أثناء الحمل بعد تشخيصها طبيًّا هو تفهم طبيبتها النفسية لحالتها ومساعدتها في تغيير نمط حياتها لنمط أكثر راحة وهدوءًا بدلًا من العمل الشاق والساعات المرهقة الطويلة، فتراجعت عن كونها طبيبة مقيمة وعادت لمنصب الممارس العام الذي يمنحها حرية أكبر وساعات عمل أقل، أيضًا أحد أهم الأسباب التي ساعدتها في تخطي تجربة اكتئاب الحمل، كان وجود زوجها الذي كان ذكيًّا في تعامله فلم يشعرها لحظة بأنها مريضة وتحتاج عناية خاصة، بل أصر على أن تتمسك بروتينها اليومي وساعدها في كل تفصيلة فيه.

ما هو اكتئاب الحمل؟

تعرف الرابطة الأمريكية للطب النفسي الاكتئاب بأنه مرض طبي شائع وخطير يؤثر سلبًا في شعورك وأفكارك وطريقة تصرفك، ويسبب مرض الاكتئاب للشخص المصاب به الشعور بالحزن وفقدان الاهتمام بالأمور والأنشطة المعتادة، ويمكن أن يؤدي أيضًا إلى مجموعة متنوعة من المشكلات العاطفية والجسدية، ويساهم في تقليل إنتاجية الفرد، واكتئاب الحمل أحد أنواع الاكتئاب المعروفة علميًّا.

على الرغم من أن فترة الحمل من المعروف أنها من أسعد الفترات التي تمر بحياة المرأة، فإنه في بعض الأحيان يمكن أن تتحول هذه الفترة إلى فترة عصيبة عليها، فتنتابها مشاعر وأفكار قلقة وخوف شديد، وممكن أن يصل الأمر في بعض الأحيان إلى الاكتئاب، فوفقاً للكونجرس الأمريكي لأطباء النساء والتوليد فإن 14 إلى 23% من النساء معرضات لاكتئاب الحمل، أو على الاقل لاختبار بعض أعراضه.

لكن ما أعراض اكتئاب الحمل؟ ولماذا يحدث؟

تقول الطبيبة ياسمين أبو العزم، والمتخصصة في الأمراض النسائية والتوليد، إن حالة الحمل نفسها تتسبب في بعض التغيرات الهرمونية التي تساهم في إشعار المرأة الحامل ببعض الأعراض النفسية السيئة، فالإجهاد ومشكلات النوم، وزيادة الوزن أو خسارته، والتقلب المزاجي، هي كلها أعراض من الطبيعي أن تتعرض لها المرأة الحامل لأنها تكون تحت رحمة هرموناتها تمامًا.

لكن – تضيف ياسمين- إذا سيطرت الأفكار السيئة على المرأة الحامل تمامًا ووصلت إلى أفكار انتحارية أو أفكار تتمحور حول إيذاء الذات، أو كانت المرأة الحامل نفسها جرى تشخيصها قبل الحمل باكتئاب مرضي، فإن هذه علامات يمكنها أن تشير إلى إصابة المرأة الحامل باكتئاب الحمل، وفي هذه الحالة يلزم على الطبيب النسائي أن يوجه المرأة إلى طبيب نفسي لتقييم حالتها بدقة، والقطع بإصابتها باكتئاب الحمل من عدمه.

وفي تقرير نشر على موقع مؤسسة مايو كلينيك الطبية العالمية، فإن اكتئاب الحمل يتسبب في مجموعة من الأعراض والأفكار التي تنتاب المرأة الحامل كالتالي:

  • القلق المفرط تجاه الجنين.
  • تدني الصورة الذاتية والشعور بعدم الكفاءة.
  • عدم القدرة على القيام بالأنشطة المعتادة، وعدم القدرة على الاستمتاع بها.
  • الاستجابة الضعيفة لمحاولات طمأنة الذات أو طمأنة المحيطين.
  • ضعف الالتزام بالمراجعة الطبية والحفاظ على الصحة.
  • اللجوء إلى التدخين وشرب الكحول وتعاطي المخدرات.
  • ضعف الوزن بسبب عدم الاهتمام بالتغذية السليمة والمفروضة على المرأة الحامل.
  • الأفكار الانتحارية.

أما العوامل التي تساهم في تعرض المرأة الحامل لتجربة اكتئاب الحمل فقد ذكر تقرير على موقع مؤسسة كليفلاند كلينيك الطبية أن العوامل المؤثرة هي:

  • وجود تاريخ من الاكتئاب المرضي أو الإصابة بحالات متقدمة من الاضطراب السابق للدورة الشهرية.
  • عمر المرأة عند حدوث الحمل، فكلما كانت المرأة أصغر سنًّا كانت أكثر عرضة للإصابة.
  • اختبار الوحدة.
  • محدودية الدعم الاجتماعي.
  • اختبار الخلافات الزوجية.
  • الشعور بالتردد وعدم اليقين حيال الحمل.

«هيستريا النساء والطب الانحيازي».. هل يمكن علاج اكتئاب الحمل؟ وكيف؟

تستكمل الطبيبة ياسمين أبو العزم حديثها عن اكتئاب الحمل فتقول إن العالم العربي بحاجة إلى تعاون بين الأطباء النفسيين والأطباء النسائيين، في التوعية بمرض اكتئاب الحمل وكيفية التعامل معه وتشخيصه وعلاجه، خاصة في مجتمع لا يتقبل بسهولة العلاج النفسي لا سيما للنساء، وأشارت في حديثها إلى أن معظم شكاوي السيدات أصلًا لا تؤخذ على محمل الجد في الكثير من الأحيان، ويجري تجاهلها من قبل الأطباء النسائيين؛ ومن ثم فإن دور الطبيب النفسي حيوي جدًّا في التوعية بمرض اكتئاب الحمل والتعاون بينه وبين الطبيب النسائي سوف يخلق مجالًا واسعًا تستفيد منه النساء الحوامل بشكل عام واللاتي يعانين من اكتئاب الحمل بشكل خاص.

Embed from Getty Images

ووفقًا لدراسة منشورة على موقع المكتبة الوطنية الأمريكية للطب، والتي أجريت في كلية الطب جامعة ويسكونسن تحت عنوان «تشخيص وعلاج الاكتئاب أثناء الحمل»، فإنه على الرغم من أن الفرد المصاب بالاكتئاب يحصل على علاج دوائي وعلاج غير دوائي متمثل في جلسات العلاج النفسي الفردية أو الجماعية أو العلاج المعرفي السلوكي، فإن أهمية العلاج غير الدوائي تتعاظم في اكتئاب الحمل لتجنب أي أضرار محتملة لتأثير الأدوية في الحالة الصحية الجسدية للمرأة الحامل وجنينها.

وتلخص الدراسة أنواع العلاجات المتبعة في اكتئاب الحمل كالتالي:

  •  التثقيف الصحي للمرأة الحامل عن اكتئاب الحمل واكتئاب الفترة المصاحبة للولادة.
  • العلاج النفسي الديناميكي.
  • العلاج المعرفي السلوكي.
  • العلاج النفسي الزوجي، والذي يتضمن دخول الشريك في عملية العلاج والتأهيل النفسي.
  • مجموعات الدعم النفسي المكونة من سيدات يعانين من الأعراض نفسها.
  • العلاج الدوائي إذا استلزم الأمر.
  • الاهتمام بالتغذية وتقليل الكافيين والنيكوتين.
  • الاهتمام بتحسين جودة النوم، وتقليل مستويات التوتر.
  • التعريف بأفضل أساليب الاسترخاء.

نستخلص من كل هذا الحديث المطول، أنه إذا كانت إصابة المرأة باكتئاب الحمل خبرًا سيئًا، فإن معرفة أنه قابل للعلاج وأن هناك الكثير من الطرق الفعالة للتعامل معه، وأنه أصلًا مرض مؤقت، هو الخبر الجيد الذي يجب أن نتمسك به، وأن نحاول الوصول إليه.

فليس لدينا في كل الأحوال سوى «لعبة الأمل»، كما أن معرفة أن اكتئاب الحمل ليس حالة نادرة الحدوث، وأن ما تشعر به المرأة المصابة، ليس أمرًا فريدًا أو نادرًا بل شائع الحدوث؛ عامل مؤثر جدًّا في قابليتها لتلقي العلاج وتخطي التجربة بنجاح؛ فالتوعية هي أول وأهم خطوة في إحراز أي تقدم، وهذا التقرير خطوة في طريق التوعية باكتئاب الحمل، فلا تخجلي من البوح بمشاعرك والحديث عنها، ولا تخافي من تلقي لوم المحيطين بك، أنتِ مريضة وتحتاجين إلى مساعدة وعلاج.

صحة

منذ سنة واحدة
الطب ليس محايدًا تمامًا.. 7 من أشهر الانحيازات الطبية الشائعة

عن admin

شاهد أيضاً

دولتان-مسلمتان-تخشيان-من-أحلام-أستراليا-النووية.-لماذا؟

دولتان مسلمتان تخشيان من أحلام أستراليا النووية.. لماذا؟

منذ إعلان أستراليا في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 الاشتراك في تحالف أمني جديد باسم «أوكوس» …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: