موسم الهجرة من فلسطين.. هل ستشهد «أرض المسيح» انقراض المسيحيين؟

خلال المواجهات الدامية التي شهدها محيط المسجد الأقصى بين الفلسطينيين وقوَّات الاحتلال الإسرائيلي في يوليو (تمُّوز) 2017، عقب قرار السلطات الإسرائيلية بتنصيب بوَّابات إلكترونية عند مدخل المسجد، وقف العديد من المسيحيين الفلسطينيين جنبًا لجنب مع المسلمين لحماية المسجد واشتبكوا معًا ضد المستوطنين وسلطات الاحتلال التي لم يفرِّق رصاصها المطَّاطي وقنابلها المسيلة للدموع، بين الفلسطيني المسلم والمسيحي، وكان الأب منويل مسلم، واحدًا من الشخصيات الدينية المسيحية التي دعت إلى «هبَّة مسيحية للدفاع عن المسجد الأقصى»، في صورة من صور التضامن الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.

إلا أن الأرض التي كانت مهد السيد المسيح منذ ميلاده قبل ألفي عام قد تشهد اختفاء أتباع هذه الديانة خلال العقود المقبلة، مثلما يتخوَّف الكثير من المسيحيين الفلسطينيين، وذلك بسبب انعدام شروط الحياة والتضييق الشديد الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني وقبضته البوليسية وجداره العازل؛ مما دفع العديد منهم إلى الهجرة إلى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا وأن الكثير من أفراد الطائفة المسيحيَّة يحظون بتسهيلات نسبية في الهجرة إلى البلدان الغربية، وإلى جانب ما تمثِّله الهجرة من تحدِّ خطير للمجتمع المسيحي الفلسطيني، فإن هذا المجتمع يشهد تحوُّلات ديمغرافية أيضًا بالنظر إلى نسب الولادة المتدنية لدى المسيحيين مقارنة مع بباقي السكَّان.

ما الذي يحدث مع المسيحيين في فلسطين؟ 

تكشف الأرقام عن تآكل كبير في أعداد المسيحيين الفلسطينيين الذين يعيشون على الأراضي الفلسطينية؛ إذ يبلغ عددهم نحو 40 ألف مسيحي في الضفة الغربية، و11 ألفًا في القدس، أما فلسطينيو الداخل فيعيش بينهم 177 ألف فلسطيني مسيحي، حسب الإحصاءات الإسرائيلية، أي نحو 2% من إجمالي السكَّان، وهو تراجع صارخ مقارنة مع نسبة 7.4% من سكَّان فلسطين قبل تأسيس إسرائيل في 1948.

Embed from Getty Images

أما في قطاع غزَّة الذي تسيطر عليه حركة «حماس» منذ عام 2007 فقد بقي نحو ألف مسيحي يعيشون في القطاع المحاصر مقارنة بـ5 آلاف مسيحي قبل 15 سنة، مما يشير إلى حالة من النزوح الجماعي الذي تضطرُّ إليه قطاعات واسعة من المسيحيين بسبب ظروف الحرب والحصار والاحتلال.

وفي القطاع خمس مدارس مسيحية تقدِّم خدماتها لـ3 آلاف طفل فلسطيني، بالإضافة إلى وجود مستشفيات كنسيَّة من بينها مستشفى الأهلى العربي، عدا عن الجمعيات والأندية التي تهتمُّ بالرياضة والثقافة والخدمات الاجتماعيَّة المتنوِّعة، وتتحوَّل خلال فترة المواجهات إلى ملاجئ للنازحين وجرحى الحرب مثلما حدث في سنة 2014.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ يومين
فلسطين في الأكاديميا الأمريكية.. الطُلاب مع القضية والإدارة مع المُحتل

وفي تقرير صحفي لبيتر أوبورن حول ظروف المسيحيين في فلسطين على موقع «ميدل إيست آي»، يصف أحد الفلسطينيين المسيحيين حياة هذه الطائفة التي تعيش داخل إسرائيل بأنَّها «أقليَّة داخل الأقليَّة»، فبالإضافة إلى معاناتهم من الاضطهاد والتضييق الذي يتعرَّض له الفلسطينيُّون جميعًا بحكم نظام التفرقة العنصرية وحالة الاحتلال الدائمة والشكوك التي يُحاط بها جميع الفلسطينيين؛ فإن كونهم مسيحيين يجعلهم عُرضة للمساومات الإسرائيليَّة التي تستخدم إستراتيجيَّة فرِّق تسد بين المسلمين والمسيحيين الفلسطينيين لإحداث الشرخ بين صفوف الشعب الفلسطيني، عبر عرض مزايا للمسيحيين على حساب المسلمين وعزلهم جغرافيًّا وهويَّاتيًّا بعضهم عن بعض.

ورغم الاضطهاد الواسع والتضييق المؤسَّسي الذي يتعرَّض له المسيحيون الفلسطينيون من طرف إسرائيل، فإن هنالك صمتًا دوليًّا لافتًا حتى من طرف الهيئات المسيحيَّة الغربيَّة، أبرز مثال على ذلك هو حالة الصمت التامِّ التي سادت في الولايات المتحدة بعد أن قطع الرئيس السابق، دونالد ترامب، التمويل الأمريكي عن المستشفيات المسيحيَّة في القدس الشرقية؛ إذ لم تندِّد الجماعات المسيحية في الولايات المتحدة بهذا القرار.

هكذا ساهم مسيحيو فلسطين في تأسيس الحركة الوطنية

ساهمت عدَّة شخصيات مسيحيَّة في نشوء الحركة الوطنية الفلسطينيَّة، من خلال العمل السياسي والثقافي والصحفي؛ إذ أنشأ نجيب نصار صحيفة «الكرمل» التي ركَّزت على الرد على الدعاية الصهيونية في مطلع القرن العشرين، كما أنشأ عيسى العيسى صحيفة «فلسطين» سنة 1911 وتأسس المجلس الإسلامي المسيحي إطارًا سياسيًّا للحركة الوطنية الفلسطينية الذي عقد أول اجتماعاته في 1919 وشهد بروز العديد من القيادات المسيحية، أهمهم خليل السكاكيني الذي أصدر بدوره صحيفة «الدستور» في سنة 1911.

Embed from Getty Images

جورج حبش أحد رموز الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤسس «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» 

وخلال حرب سنة 1948 التي شهدت قيام دولة إسرائيل، جرى تهجير نحو 47 ألف مسيحي فلسطيني، وقد عرف التاريخ النضالي الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي بروز العديد من القيادات المسيحيَّة التي لعبت أدوارًا سياسية مهمَّة، لعل أبرزهم جورج حبش، العضو المؤسس لمنظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالإضافة إلى وديع حدَّاد وغيرهم.

وإلى جانب الصراع السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي قاده الفلسطينيون ضد الاحتلال الإسرائيلي؛ كانت هناك معركة أخرى على الصعيد الديني لا تقلُّ خطورة عن الأصعدة الأخرى، وذلك من أجل دحض المقولات اليهودية والمسيحية الإنجيلية التي تبرِّر الاحتلال الإسرائيلي بوصفه عودة لليهود إلى أرض الميعاد تمهيدًا لنزول المسيح، مثلما يعتقد كل «المسيحيين الصهاينة».

وفي هذا السياق ألَّف القساوسة الفلسطينيُّون كتبًا للردِّ على هذه السردية لعلَّ أبرزها كتاب القس نعيم عتيق «لاهوت التحرُّر الفلسطيني» في سنة 1989، الذي حاول من خلاله ربط اللاهوت المسيحي بالنضال التحرُّري المسيحي واعتبر الإيمان الديني مرتبطًا بالقضية الوطنية الفلسطينية.

أما على الصعيد الفكري والثقافي فقد برز إدوارد سعيد، المفكِّر الفلسطيني المسيحي المولود في القدس، في حقل الدراسات ما بعد الاستعماريَّة، وكان لكتابه «الاستشراق» أثر بالغ في الساحة الفكرية العالميَّة، وكان إدوارد سعيد منخرطًا في النضال الثقافي من أجل القضية الفلسطينية، وقد كتب عنها كثيرًا في الولايات المتحدة مستغلًّا مكانته الأكاديمية بصفته أستاذًا في جامعة «كولومبيا» المرموقة.

وساهم سعيد في إيصال الصوت الفلسطيني وتجذيره في بيئة شديدة العداوة آنذاك في الولايات المتحدة؛ كما أنَّ له صورة أيقونية شهيرة ستسبِّب له العديد من المتاعب لاحقًا، حين يظهر ملتقمًا حجرًا يسدِّده صوب برج مراقبة إسرائيلي أثناء زيارته للحدود اللبنانية بعد الانسحاب الإسرائيلي سنة 2000.

كيف يواجه مسيحيِّو فلسطين خطر الاندثار؟ 

ركَّزت الحركة الوطنية الفلسطينية خلال تاريخها على أن المعركة التي تخوضها هي معركة من أجل التحرُّر من الاحتلال الإسرائيلي بوصفه استعمارًا استيطانيًّا، وليس حربًا دينية بين المسلمين واليهود، ولذلك تكرَّرت في خطابات الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات الإشارات إلى المكوِّن المسيحي الفلسطيني، وتأكيده على الدفاع عن «المقدَّسات المسيحية والإسلامية» ووضع كنيسة القيامة والمسجد الأقصى في صلب الخطاب الوطني الفلسطيني.

وتعرف الساحة المسيحية في فلسطين مبادرات ومؤتمرات ثقافية حول الطابع المسيحي لفلسطين، يتمُّ من خلالها استحضار التاريخ الفلسطيني القديم وإثبات وجود هويَّة فلسطينية والردُّ على المزاعم الصهيونية، وفي 13 ديسمبر (كانون الأول) 2021 جرى اختتام مؤتمر حمل عنوان «فلسطين المسيحية» من تنظيم مجموعة من المراكز والجهات المسيحية، والذي شهد جلسات حوارية ومحاضرات حول «التاريخ المسيحي لفلسطين»، و«لتوفير أدلة تاريخية حقيقية قاطعة لكل صهيوني سواء كان يهوديًّا أو غير يهودي، بأن الشعب الفلسطيني هو من جذور السيد المسيح الفلسطيني مؤسس الديانة المسيحية قبل 200 سنة».

كما تطرَّق المؤتمر إلى قضية الاستعمار الإسرائيلي ونجاح الرواية الصهيونية في إقناع المسيحيين في الغرب بسردية أرض الميعاد التي يتبنَّاها الإنجيليون في الولايات المتحدة، ويساندون بموجبها الاحتلال الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين، بما فيهم مسيحيُّوها، وقد أُسندت رئاسة المؤتمر لشخصية مسلمة متمثِّلة في الكاتب والمؤرخ حسام أبو النصر من أجل تأكيد الطابع الوطني الجامع للمؤتمر وعدم تبنِّيه القضية المسيحية في فلسطين من منظور طائفي هويَّاتي ضيِّق.

وكان بطاركة ورؤساء كنائس في القدس قد حذَّروا في ديسمبر (كانون الأول) 2021 من محاولات طرد المسيحيين من الأراضي المقدَّسة في بيان لهم، حول التراجع الرهيب لأعداد المسيحيين الفلسطينيين في أراضي الداخل الفلسطيني، إلا أن الحكومة الإسرائيلية ردَّت على هذه الاتهامات بالقول بأنَّها «تشويه لحقيقة المجتمع المسيحي في إسرائيل».

وهو الخطاب المستمر منذ سنوات طويلة في فلسطين، ففي عام 2009 أصدر مجموعة من القساوسة والمطرانات والشخصيات المسيحيَّة الفلسطينية بلغ عددهم 16 شخصيَّة بيانًا تاريخيًّا مطوَّلًا بعنوان «وثيقة وقفة حقٍّ» وجَّهوا فيه رسائل إلى الشعب الفلسطيني والقيادات السياسية الفلسطينية بالإضافة إلى المجتمع الدولي وكنائس العالم، فصَّلوا فيه المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون بسبب الاحتلال الإسرائيلي، ورفعوا جملة من المطالب إلى العديد من الجهات الفلسطينية والدولية، وأكَّدوا حق المقاومة بوصفها فعلًا مسيحيًّا مشروعًا بقولهم:

«والظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، أي الاحتلال الإسرائيلي، هو شر يجب مقاومته، هو شر وخطيئة يجب مقاومتها وإزالتها، تقع هذه المسؤولية أولًا على الفلسطينيين أنفسهم الواقعين تحت الاحتلال، فالمحبة المسيحيَّة تدعو إلى المقاومة، إلا أن المحبَّة تضع حدًّا للشر بسلوكها طرق العدل، ثم تقع المسؤولية على الأسرة الدولية؛ إذ أصبحت الشرعية الدولية اليوم هي التي تحكم العلاقات بين الشعوب، وعلى الظالم نفسه أخيرًا أن يحرر نفسه هو من الشر الذي فيه ومن الظلم الذي أوقعه على غيره».

عن admin

شاهد أيضاً

كومودوس.-إمبراطور-روما-المجنون-الذي-أنهى-عصرها-الذهبي

كومودوس.. إمبراطور روما المجنون الذي أنهى عصرها الذهبي

«عززت الإمبراطورية مكانة أولئك الذين حكموا قبلي، والتي حصلوا عليها بوصفها شرفًا إضافيًّا، لكنني وحدي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *